تحريف الحق وكتمان العلم آفتان تهدمان الإيمان
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (24)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٥ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٧٦ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ٧٧﴾.
بعد أن ذكر الله قسوة قلوب بني إسرائيل مع كثرة الآيات والبراهين، بيّن سببًا آخر من أسباب انحرافهم، وهو تحريف كلام الله، وكتمان الحق، وإظهار غير ما يبطنون، فاجتمع عليهم فساد الاعتقاد وفساد الأخلاق.
افتتحت الآيات بقوله تعالى:
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٥﴾.
أي: أفتأملون أن يؤمن هؤلاء بالحق، وقد كان من أسلافهم من يسمع كلام الله، ويفهمه حق الفهم، ثم يغيّره ويبدله عمدًا، لا عن جهل ولا عن نسيان، بل عن علم وقصد.
وفي هذا بيان أن أخطر أنواع الانحراف ليس الجهل، وإنما العلم الذي لا يُتبع، فإن من عرف الحق ثم بدله كان إثمه أعظم من إثم الجاهل.
ثم قال سبحانه:
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٧٦﴾.
فكان بعضهم يظهر للمؤمنين الموافقة والإيمان، فإذا انفردوا لام بعضهم بعضًا على إخبار المسلمين بما في كتبهم من صفات النبي صلى الله عليه وسلم؛ خشية أن تكون تلك الأخبار حجة عليهم يوم القيامة.
وهذا من أعجب صور التناقض؛ إذ عرفوا الحق، ثم كتموه، وخافوا من ظهوره، فصار همهم حماية الباطل لا اتباع الحق.
ثم فضح الله سرائرهم بقوله:
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ٧٧﴾.
فالله سبحانه لا تخفى عليه خافية، يعلم ما أخفوه في صدورهم، كما يعلم ما أظهروه بألسنتهم، فلا ينفعهم كتمان، ولا يجديهم نفاق، ولا تضيع عنده حقيقة.
وفي هذه الآية تربية عظيمة على مراقبة الله؛ فإن من أيقن أن الله يعلم السر والعلن استحيا أن يقول بلسانه ما لا يعتقده بقلبه، أو يكتم حقًا أوجبه الله عليه بيانه.
وقد ذم الله كتمان العلم، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار).
وليس التحريف مقصورًا على تبديل ألفاظ الوحي، بل يدخل فيه أيضًا ليُّ معاني النصوص، وتأويلها بغير حق، وكتمان ما يجب بيانه، وكل ذلك من أعظم أسباب ضلال الأمم.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: العلم إذا لم يقترن بالإخلاص واتباع الحق كان وبالًا على صاحبه.
الثانية: تحريف النصوص وكتمان الحق من أعظم أسباب هلاك الأمم.
الثالثة: النفاق يظهر حين يختلف ظاهر الإنسان عن باطنه.
الرابعة: لا يجوز كتمان العلم الذي يحتاجه الناس في دينهم.
الخامسة: من راقب الله بسره وعلانيته استقام ظاهره وباطنه.
السادسة: لا تخفى ولا تنفع الحيل ولا الأسرار أمام علم الله المحيط.
السابعة: الواجب على المؤمن أن يكون صادقًا مع الله ومع الناس، ظاهرًا وباطنًا.
لقد كشفت هذه الآيات أن أصل الانحراف ليس نقص الأدلة، وإنما فساد القلوب؛ فقد يسمع الإنسان الحق، ويفهمه، ثم يمنعه الهوى أو الحسد أو حب الدنيا من قبوله، فيحرفه أو يكتمه. أما المؤمن الصادق، فإنه إذا تبين له الحق قبله، وأعلنه، وعمل به، مراقبًا ربه الذي يعلم السر وأخفى.
معاني مفردات الآيات
تحرفونه: تغيرونه وتبدلونه.
ما عقلوه: ما فهموه وأدركوا معناه.
خلَا: انفرد.
ما فتح الله عليكم: ما أطلعكم عليه من العلم.
ليحاجوكم: ليخاصموكم ويقيموا الحجة عليكم.
يسرون: يخفون.
يعلنون: يظهرون.