الإعراض عن الوحي وعاقبة قسوة القلب
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (27)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ۖ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ٨٧ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ ٨٨﴾.
بعد أن بيّن الله نقض بني إسرائيل للعهود، ذكر هنا صورة أخرى من صور انحرافهم، وهي موقفهم من رسل الله، فقد تتابعت عليهم الرسل بالهدى والبينات، لكنهم جعلوا أهواءهم ميزانًا لقبول الحق، فما وافق رغباتهم قبلوه، وما خالفها ردوه، حتى انتهى بهم الأمر إلى تكذيب الأنبياء وقتل بعضهم.
افتتحت الآيات بقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
فامتن الله عليهم بإرسال الرسل متتابعين، فلم يتركهم هملاً، بل أنزل التوراة على موسى عليه السلام، وأرسل بعده أنبياء كثيرين، ثم أيد عيسى عليه السلام بالمعجزات الظاهرة، وبجبريل عليه السلام، ليقيم عليهم الحجة من كل وجه.
ومع كثرة النعم، لم يكن سبب رفضهم نقص الأدلة، وإنما فساد القلوب واتباع الهوى.
ثم قال سبحانه:
﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ۖ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ٨٧﴾.
أي: كلما جاءكم رسول يأمركم بما يخالف أهواءكم وشهواتكم تكبرتم عن اتباعه، فمنهم من كذبتموه، ومنهم من تجاوزتم ذلك إلى قتله، فكان الهوى عندكم مقدمًا على وحي الله.
وهذه الآية تبين أن أعظم حجاب يحول بين العبد وبين الحق هو اتباع الهوى؛ لأن من جعل هواه قائدًا له لم ينتفع ببرهان، ولم يخضع لوحي.
قال الله تعالى:
﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
ثم قال سبحانه:
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾.
أي زعموا أن قلوبهم في أغطية لا يصل إليها ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فجعلوا المانع في قلوبهم، وكأنهم لا يحتاجون إلى ما جاء به من الهدى.
فرد الله عليهم بقوله:
﴿بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ ٨٨﴾.
أي ليس الأمر كما ادعوا، وإنما السبب أن الله أبعدهم عن رحمته بسبب كفرهم وإعراضهم، فكان إيمانهم قليلًا أو معدومًا؛ لأنهم أغلقوا قلوبهم عن قبول الحق.
وفي هذا أعظم التحذير من الذنوب؛ فإنها إذا تكاثرت أورثت قسوة القلب، حتى يعمى عن رؤية الحق.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾».
وقال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربدا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه).
فهذان الحديثان يبينان أن القلب لا يفسد دفعة واحدة، وإنما يمرض بالذنوب والفتن، حتى قد يصل إلى مرحلة لا يقبل معها الحق.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: إرسال الرسل من أعظم نعم الله على عباده.
الثانية: اتباع الهوى من أكبر أسباب رد الحق.
الثالثة: لا تجعل رغبتك ميزانًا لقبول أوامر الله.
الرابعة: الذنوب المتكررة تقسي القلب وتحجبه عن الهدى.
الخامسة: كثرة التوبة والاستغفار تحفظ القلب من الران.
السادسة: لا عذر لمن أعرض عن الحق بعد قيام الحجة.
السابعة: القلب الحي هو الذي يخضع للوحي، لا الذي يخضع للهوى.
لقد كشفت هذه الآيات أن مشكلة بني إسرائيل لم تكن في غموض الحق، بل في استكبار النفوس واتباع الأهواء، ولذلك لم تنفعهم كثرة الرسل ولا وضوح البينات.
وما أحوج المسلم إلى أن يسأل الله دائمًا قلبًا سليمًا، يقبل الحق إذا ظهر، ويخضع للوحي إذا بلغه، ويستعيذ بالله من قلب قاسٍ لا يتأثر بالموعظة ولا ينتفع بالذكر.
معاني مفردات الآيات
قفينا: أتبعنا رسولًا رسولًا.
البينات: المعجزات والدلائل الواضحة.
أيدناه: قوّيناه ونصرناه.
روح القدس: جبريل عليه السلام.
استكبرتم: تعظمتم وأبيتم قبول الحق.
غلف: في أغطية وأكنة.
لعنهم: أبعدهم عن رحمته.