الحسد حجاب يحول بين العبد وبين الحق
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (28)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ٨٩ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ٩٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٩١﴾.
بعد أن بين الله أن بني إسرائيل ردوا الرسل اتباعًا للهوى، كشف في هذه الآيات داءً آخر من أعظم أدواء القلوب، وهو الحسد، فقد كانوا ينتظرون بعثة النبي الخاتم، ويستبشرون بقرب ظهوره، فلما بعثه الله من العرب، حملهم الحسد والكبر على الكفر به، مع أنهم عرفوا صدقه كما يعرف الإنسان ولده.
افتتحت الآيات بقوله تعالى:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا...﴾.
أي: لما جاءهم القرآن موافقًا لما في التوراة من البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا قبل بعثته يستنصرون به على المشركين، ويقولون: قد أظل زمان نبي نتبعه فنغلبكم، فلما جاءهم النبي الذي عرفوا صفته، كفروا به.
فلم يكن سبب كفرهم الجهل، وإنما الهوى والحسد.
ثم قال سبحانه:
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
أي: باعوا أنفسهم بأبخس الأثمان، حين استبدلوا الإيمان بالكفر؛ لأنهم حسدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اختاره الله من قريش للنبوة.
فالحسد قد يبلغ بصاحبه أن يرد الحق وهو يعلم أنه حق، لا لشيء إلا لأنه جاء على يد من لا يريده.
ثم قال تعالى:
﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾.
أي رجعوا مستحقين غضبًا من الله فوق غضب؛ بسبب كفرهم المتكرر، وقتلهم الأنبياء، وتكذيبهم الرسل، وكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.
ثم قال سبحانه:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ﴾.
فاحتجوا بأنهم يؤمنون بالتوراة، ولكن الله أبطل دعواهم؛ لأن التوراة نفسها دلت على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فمن كفر به فقد كذب كتابه الذي يزعم الإيمان به.
ولهذا قال سبحانه:
﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي: لو كنتم مؤمنين حقًا بما أنزل عليكم، لما قتل آباؤكم أنبياء الله، ولما رضيتم بصنيعهم، فإن الإيمان الصادق يحمل صاحبه على طاعة الله واتباع رسله جميعًا.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).
فالقلب المخلص السليم لا يحمله الحسد ولا الكبر على رد الحق، وإنما يخضع له متى تبين له.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: الحسد من أخطر أمراض القلوب، وقد يمنع صاحبه من قبول الحق.
الثانية: الواجب الإيمان بجميع ما أنزل الله، لا ببعضه دون بعض.
الثالثة: لا قيمة للعلم إذا صاحبه الكبر والحسد.
الرابعة: الإيمان الحق يقتضي اتباع جميع الرسل وتعظيمهم.
الخامسة: احذر أن يردك التعصب أو الهوى عن قبول الدليل.
السادسة: رضا الإنسان بالباطل وسكوته عنه قد يلحقه بأهله.
السابعة: اسأل الله دائمًا قلبًا سليمًا من الحسد والكبر وسائر أمراض القلوب.
لقد بينت هذه الآيات أن أخطر ما يحجب الإنسان عن الهداية ليس خفاء الحق، وإنما فساد القلب؛ فكم من إنسان عرف الحق ثم رده حسدًا أو كبرًا أو تعصبًا، فاستحق غضب الله.
أما المؤمن الصادق، فإنه يفرح بظهور الحق، ولو كان على يد غيره، لأن غايته رضا الله لا انتصار نفسه.
معاني مفردات الآيات
مصدق: موافق ومؤيد لما قبله.
يستفتحون: يستنصرون ويستنصرون به على أعدائهم.
بغيًا: حسدًا وظلمًا.
فباءوا: رجعوا واستحقوا.
غضب على غضب: غضب متتابع بسبب تكرر جرائمهم.
ما وراءه: ما سواه من الكتب المنزلة، وأعظمها القرآن.