فتنة العبادة الباطلة
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (29)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ٩٢ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ۖ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٩٣﴾.
بعد أن فضح الله تعالى كفر بني إسرائيل بمحمد صلى الله عليه وسلم مع علمهم بصدقه، أعادهم إلى صفحات من تاريخهم؛ ليبين أن هذا الإعراض عن الحق ليس حادثًا جديدًا، وإنما هو داء قديم استقر في نفوسهم، وهو تقديم الهوى والتقليد على أمر الله ورسله.
افتتحت الآيات بقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾.
أي: لقد جاءكم موسى عليه السلام بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه؛ كالعصا، واليد، وفلق البحر، وإنزال المن والسلوى، ومع ذلك عبدتم العجل بعد ذهابه لمناجاة ربه، وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها، متعدون حدود الله.
وفي هذا أعظم دليل على أن كثرة الأدلة لا تنفع من استولى الهوى على قلبه؛ فإنهم رأوا من الآيات ما لم تره أمة، ثم وقعوا في أعظم الذنوب، وهو الشرك بالله.
ثم قال سبحانه:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾.
أي: اذكروا حين أخذ الله عليكم العهد المؤكد أن تتمسكوا بالتوراة بجد واجتهاد، ورفع فوقكم جبل الطور تخويفًا لهم حتى يقبلوا أمر الله، وقيل لهم: خذوا كتاب الله بعزيمة، واسمعوا سماع قبول وطاعة، لا سماع إعراض وغفلة.
فليس المقصود سماع الأذن فحسب، وإنما سماع القلب الذي يثمر الامتثال.
ثم قال تعالى:
﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.
أي: كان حالهم ومآل أمرهم أنهم قابلوا أمر الله بالعصيان، وإن أظهروا بألسنتهم القبول.
فهذه الكلمة تلخص حقيقة كل من عرف الحق ثم خالفه، أو سمع الدليل ثم قدم عليه الهوى أو العادة أو التقليد.
ولهذا كان المؤمنون على الضد منهم، كما وصفهم الله بقوله:
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
ثم قال سبحانه:
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾.
أي: خالط حب العجل قلوبهم حتى صار كالماء الذي يتشربه الجسم، فلم يعد مجرد عبادة ظاهرة، بل صار تعلقًا قلبيًا وهيامًا بالباطل.
وهكذا كل معصية إذا داوم عليها صاحبها ولم يتب منها، تسرب حبها إلى قلبه، حتى يصعب عليه مفارقتها، ولذلك كان القلب إذا امتلأ بمحبة الله ضاق عن محبة ما يسخطه، وإذا امتلأ بالشهوات والبدع ضاق عن نور الوحي.
ثم قال تعالى:
﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي: قل لهم -يا محمد-: إن كان هذا الذي أنتم عليه هو ثمرة إيمانكم، فبئس هذا الإيمان الذي يقود إلى عبادة العجل، وقتل الأنبياء، وتكذيب الرسل. وهذا من باب إلزامهم بالحجة؛ لأن الإيمان الحق لا يأمر إلا بكل خير، ولا ينهى إلا عن كل شر.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في الصحيحين:
(ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...).
فإذا غلبت محبة الله ورسوله على القلب، انقاد لأمر الله، ولم يقدم عليه هوى ولا عادة ولا تقليد.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: كثرة الأدلة لا تنفع قلبًا استولى عليه الهوى.
الثانية: الواجب أن يؤخذ كتاب الله بقوة؛ علمًا، وعملًا، وثباتًا.
الثالثة: حقيقة الإيمان هي: سمعنا وأطعنا، لا سمعنا وعصينا.
الرابعة: المعاصي إذا تكررت تشربها القلب حتى يألفها ويستثقل مفارقتها.
الخامسة: الإيمان الصحيح لا يدعو إلا إلى الطاعة، فمن قاده ما يسميه إيمانًا إلى المعصية فليتهم فهمه وإيمانه.
السادسة: صلاح القلب يبدأ بتقديم أمر الله على كل هوى وعادة وتقليد.
السابعة: أكثر الانحرافات تبدأ بمحبة باطل صغيرة، ثم تستقر في القلب حتى تصير عقيدة أو منهجًا.
لقد كشفت هذه الآيات أن الخطر الحقيقي ليس في سماع الحق، وإنما في عدم الانقياد له؛ فكم من إنسان يعرف الدليل، لكنه يقدم عليه هواه أو تقليد الناس، فيقع فيما وقع فيه بنو إسرائيل.
أما المؤمن الصادق، فإذا تبين له أمر الله، قال بقلبه ولسانه وجوارحه: سمعنا وأطعنا.
معاني مفردات الآيات
البينات: المعجزات والحجج الواضحات.
الطور: الجبل الذي رفعه الله فوق بني إسرائيل.
خذوا بقوة: بجد وعزم وامتثال.
وأشربوا في قلوبهم العجل: خالط حب العجل قلوبهم ورسخ فيها.
بئسما يأمركم به إيمانكم: بئس هذا الذي تزعمونه إيمانًا إذا كانت ثمرته الكفر والمعصية.