الجمعة 9 صفر 1448 هـ || الموافق 24 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 8

دعوى الجنة لا تنفع بلا عمل

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (30)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۝٩٤ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ۝٩٥ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ۝٩٦﴾.

بعد أن كشف الله تعالى فساد إيمان بني إسرائيل، وبيّن أن قلوبهم امتلأت بالهوى حتى قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، انتقل إلى فضح دعوى أخرى من أبطل دعاواهم، وهي زعمهم أن الجنة لهم وحدهم، وأنهم أولياء الله دون سائر الناس، فأقام عليهم برهانًا لا يستطيع أحد دفعه.

افتتحت الآيات بقوله تعالى:
﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.

أي: إن كنتم صادقين في دعواكم أن الجنة لكم وحدكم، وأنكم أحباء الله وأولياؤه، فتمنوا الموت؛ لأن المؤمن الصادق إذا أيقن بما عند الله اشتاق إلى لقائه، ولم يخش المصير إليه.

وليس المراد الحث على تمني الموت، وإنما هو إلزام لهم بالحجة؛ لأن من أيقن أنه من أهل الجنة لا يخاف الانتقال إليها.

ثم قال سبحانه:
﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.

أي: لن يتمنوا الموت أبدًا؛ لأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم ما اقترفوه من الكفر، وتحريف الكتب، وقتل الأنبياء، ورد الحق، فضمائرهم شاهدة عليهم، وإن كذبت ألسنتهم.

وهذه من أعظم الآيات الدالة على أن القلب قد يخدع الناس، لكنه لا يستطيع أن يخدع نفسه، فإن صاحب الباطل يعلم في أعماقه حقيقة ما هو عليه، ولو تظاهر بالثقة واليقين.

ثم قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.

أي: لا يخفى على الله شيء من أعمالهم ولا من نياتهم، فهو يعلم ظاهرهم وباطنهم، ويجازيهم على ذلك أتم الجزاء.

ثم قال سبحانه:
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.

أي: ستجدهم أشد الناس حرصًا على البقاء في الدنيا، بل أشد حرصًا حتى من كثير من المشركين؛ لأنهم يعلمون سوء ما ينتظرهم، فصار خوفهم من الآخرة سببًا لتعلقهم المرضي بالدنيا.

إن القلب إذا خلا من اليقين امتلأ بالتعلق بالحياة، وإذا امتلأ باليقين هانت عليه الدنيا، لأنه يرى ما عند الله خيرًا وأبقى.

ثم قال تعالى:
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.

أي: يتمنى الواحد منهم أطول عمر يمكن تصوره، لا لأنه يريد أن يزداد طاعة، وإنما فرارًا من الحساب.

ولكن الله أبطل هذا الأمل بقوله:
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾.

أي: ليس طول العمر منجيًا من عذاب الله، فإن العمر مهما طال فآخره قبر، وبعد القبر بعث، وبعد البعث حساب، ثم جنة أو نار.

فليس السؤال يوم القيامة: كم سنة عشت؟ وإنما: كيف عشت؟

ثم ختم سبحانه بقوله:
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.

أي: يرى جميع أعمالهم، فلا يخفى عليه حرصهم على الدنيا، ولا كذبهم في دعاوى الإيمان والولاية، وسيجازي كل إنسان بعمله، لا بأمانيه ولا بشعاراته.

وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).

فمحبة لقاء الله ليست دعوى باللسان، وإنما ثمرة إيمان صادق وعمل صالح، أما من أصر على المعاصي وخاف لقاء الله بسببها، فليتب قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه التوبة.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: لا يغتر الإنسان بدعاوى الإيمان والولاية، فإن الله لا يقبل الدعاوى بلا برهان.
الثانية: الأعمال هي التي تشهد للعبد أو عليه، لا الانتساب ولا الشعارات.
الثالثة: حب الدنيا المذموم ينشأ من ضعف اليقين بالآخرة.
الرابعة: طول العمر نعمة إذا امتلأ بالطاعة، ونقمة إذا امتلأ بالمعصية.
الخامسة: من خاف لقاء الله بسبب ذنوبه، فباب التوبة مفتوح قبل حضور الأجل.
السادسة: أكثر الناس حرصًا على الدنيا ليس أكثرهم سعادة، بل قد يكون أشدهم خوفًا مما ينتظره بعد الموت.
السابعة: لا تجعل همك أن يطول عمرك، بل أن يحسن عملك؛ فالعبرة بخاتمة الحياة لا بطولها.

لقد كشفت هذه الآيات حقيقة يغفل عنها كثير من الناس، وهي أن الأماني لا تُدخل الجنة، والدعاوى لا ترفع صاحبها عند الله، وإنما الذي يرفعه صدق الإيمان وصالح العمل. فمن أراد كرامة الآخرة فليستعد لها في الدنيا، فإن الموت باب سيدخله كل أحد، والسعيد من دخل منه وهو يحمل بين جنبيه قلبًا مؤمنًا وعملًا صالحًا، لا أمنيات لا حقيقة لها.

معاني مفردات الآيات
الدار الآخرة: الجنة وما أعده الله فيها من النعيم المقيم.
خالصة: خاصة بكم دون غيركم.
فتمنوا الموت: اطلبوا الموت إن كنتم واثقين أنكم من أهل الجنة؛ إلزامًا لهم بالحجة.
بما قدمت أيديهم: بسبب ما أسلفوه من الكفر والمعاصي والجرائم، وعبر بالأيدي لأنها أكثر الجوارح مباشرة للأعمال.
الظالمين: الذين وضعوا الشيء في غير موضعه بالكفر والعصيان.
أحرص الناس على حياة: أشد الناس تعلقًا بالدنيا ورغبة في البقاء فيها.
ومن الذين أشركوا: بل هم أحرص على الحياة حتى من المشركين.
يود: يتمنى ويتمنى بشدة.
يعمر ألف سنة: يطول عمره غاية الطول.
بمزحزحه: بمبعده أو بمنجيه.
العذاب: عذاب الله في الآخرة.
بصير بما يعملون: مطلع على جميع أعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم عليها.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام