الخميس 8 صفر 1448 هـ || الموافق 23 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 7

القاتل الذي فضحه الله، وقسوة القلوب بعد قيام البراهين

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (23)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ۝٧٢ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝٧٣ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۝٧٤﴾.

بعد أن شدد بنو إسرائيل على أنفسهم في أمر البقرة حتى كادوا ألا يذبحوها، كشف الله الحكمة من ذلك الأمر، وهي إظهار جريمة قتل حاولوا إخفاءها، وليعلموا أن الله لا تخفى عليه خافية، وأنه سبحانه يُظهر الحق ولو اجتهد الناس في كتمانه.

افتتحت الآيات بقوله تعالى:
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ۝٧٢﴾.

أي قتلتم رجلًا ثم تنازعتم في قاتله، فألقى كل فريق التهمة على غيره، وحاول الجميع إخفاء الحقيقة، لكن الله الذي يعلم السر وأخفى تكفل بإظهار ما أخفوه، فلا تستر الجرائم عن علمه، ولا تنفع الحيل أمام حكمه.

وفي هذا تهديد لكل من يظن أن خفاء الذنب عن الناس يعني نجاته، فإن العبرة ليست بمن يعلم من الخلق، وإنما بمن يعلم من فوق سبع سماوات.

ثم قال سبحانه:
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝٧٣﴾.

فأمرهم الله أن يضربوا المقتول بجزء من البقرة التي ذبحوها، فأحياه الله، وتكلم وسمى قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان.

ولم يكن المقصود كشف القاتل فحسب، وإنما إقامة برهان عملي على قدرة الله على إحياء الموتى؛ لأن من أحيا ميتًا أمام أعينهم قادر على أن يحيي جميع الخلائق يوم القيامة.

فالإيمان بالبعث ليس أمرًا نظريًا، بل هو أصل من أصول العقيدة، والقرآن يقرر هذا الأصل بالأدلة العقلية والحسية، حتى لا يبقى لأحد حجة.

ثم جاءت المفاجأة العظيمة بعد هذه الآية الباهرة، فقال سبحانه:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ﴾.

فمع أنهم شاهدوا الميت يحيا، ورأوا القاتل يُفضح بمعجزة ظاهرة، لم تلن قلوبهم، بل ازدادت قسوة، وفي هذا بيان أن الآيات وحدها لا تهدي من أعرض عن الحق، وإنما الذي ينتفع بها هو القلب الحي.

ثم ضرب الله مثلًا بديعًا، فقال:
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ، وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ، وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.

فالحجارة -على صلابتها- منها ما يتفجر بالماء، ومنها ما يتشقق فيخرج منه الماء، ومنها ما يسقط من خشية الله، أما تلك القلوب فقد جمدت حتى صارت أشد قسوة من الحجر.

قال الله تعالى في موضع آخر:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.

فإذا كان الجبل يتصدع من خشية الله، فكيف يقرأ الإنسان كلام ربه، ويسمع المواعظ، ويرى الآيات، ثم لا يتحرك قلبه، ولا تدمع عينه، ولا يتغير حاله؟

وختم الله الآية بقوله:
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

فلا يظن ظالم أن جريمته تضيع، ولا يظن منافق أن سريرته تخفى، ولا يظن معرض أن الله لا يرى إعراضه؛ فإن أعمال العباد كلها محفوظة، وسيجازي الله كل إنسان بما قدم.

ولا تصلح أعمال العبد إلا إذا صلح قلبه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه:
(ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

فصلاح القلب هو مفتاح النجاة، وقسوته من أعظم أسباب الهلاك.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: لا يخفى على الله ذنب وإن أخفاه الناس جميعًا.
الثانية: قدرة الله على إحياء الموتى حق ثابت لا شك فيه.
الثالثة: كثرة الآيات لا تنفع القلب القاسي.
الرابعة: القلب الحي يلين بالقرآن، أما القلب القاسي فلا تؤثر فيه المواعظ.
الخامسة: احذر الذنوب؛ فإنها من أعظم أسباب قسوة القلب.
السادسة: راقب الله في السر كما تراقبه في العلن، فإنه يعلم ما تخفي الصدور.
السابعة: النجاة ليست بكثرة العلم وحده، وإنما بحياة القلب وخشيته لله.

لقد بينت هذه الآيات أن الله يُظهر الحق مهما خفي، وأنه قادر على إحياء الموتى كما أحيا ذلك القتيل، ثم كشفت أن أعظم المصائب ليست موت الأبدان، وإنما موت القلوب؛ فالميت قد يحييه الله بكلمة، أما القلب إذا استسلم للقسوة وأعرض عن الذكر، فإنه يحتاج إلى صدق إنابة، وكثرة توبة، ودوام تعلق بكتاب الله حتى يعود حيًا بالإيمان.

معاني مفردات الآيات

فادارأتم: اختلفتم وتدافعتم في التهمة.
مخرج: مظهر ومبين.
ببعضها: بجزء من البقرة.
تعقلون: تفهمون وتعتبرون.
قست: اشتدت وصلبت.
يتفجر: ينبع بقوة.
يشقق: يتصدع ويتفتح.
يهبط: يسقط وينحدر.
بغافل: بساهٍ أو غافل، بل هو سبحانه محيط بكل أعمال العباد.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام