الجمعة 9 صفر 1448 هـ || الموافق 24 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 14

الأماني الكاذبة والعمل هو طريق النجاة

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (25)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ۝٧٨ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ۝٧٩ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٨٠ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۝٨١ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۝٨٢﴾.

بعد أن كشف الله تحريف علماء بني إسرائيل وكتمانهم للحق، بيّن حال طائفة أخرى منهم، وهم العوام الذين قلدوا بلا علم، ثم فضح من افترى على الله، وأبطل الأماني الكاذبة، وختم ببيان أن النجاة لا تكون بالانتساب ولا بالدعاوى، وإنما بالإيمان والعمل الصالح.

افتتحت الآيات بقوله تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ۝٧٨﴾.

أي: ومن بني إسرائيل قوم لا علم لهم بكتاب الله، وإنما يتبعون الظنون، أو يكتفون بتلاوة لا فهم معها، أو يتعلقون بأمنيات باطلة يظنون أنها تنجيهم من عذاب الله.

وفي هذا تحذير من عبادة الله على جهل، ومن الاكتفاء بالشعارات دون تعلم الوحي، فإن الجهل بيئة خصبة للضلال والانخداع.

ثم قال سبحانه:
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ۝٧٩﴾.

وهذا من أعظم صور الافتراء؛ إذ كتبوا كلامًا من عند أنفسهم، ثم نسبوه إلى الله ليحققوا مصالح دنيوية من مال أو جاه أو رياسة.

فكرر الله الوعيد عليهم؛ لأن جريمتهم عظيمة: كتبوا الباطل، ونسبوه إلى الله، وأضلوا الناس، وأكلوا بذلك الأموال.

وكل من نسب إلى الشريعة ما ليس منها، أو أفتى بغير علم، أو لبّس على الناس دينهم، فقد دخل في هذا الوعيد بقدر جرمه.

ثم قال تعالى:
﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٨٠﴾.

اغتروا بانتسابهم، وزعموا أن عذابهم -إن وقع- سيكون يسيرًا، فأبطل الله دعواهم، وطلب منهم الدليل: هل عندكم عهد من الله؟ فإن لم يكن، فليس ذلك إلا قولًا على الله بغير علم.

وهكذا كل من أمن مكر الله، أو ظن أن الانتساب إلى الصالحين أو إلى الإسلام يكفي للنجاة مع الإصرار على المعاصي، فقد تعلق بأمنية لا تغني عنه شيئًا.

ثم جاء الحكم الفصل فقال:
﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۝٨١ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۝٨٢﴾.

فليس الميزان الأنساب، ولا الأماني، ولا الادعاءات، وإنما الميزان هو الإيمان الصادق الذي يثمر العمل الصالح.

وأما من أحاطت به خطيئته، أي استولت عليه حتى مات على الكفر، فأولئك أصحاب النار خالدون فيها.

وفي المقابل، فإن أهل الإيمان والعمل الصالح هم أهل الجنة، وهذا هو وعد الله الذي لا يتخلف.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: تعلم كتاب الله وفهمه من أعظم أسباب الثبات على الحق.
الثانية: الجهل بالدين يفتح باب الانحراف والتقليد الأعمى.
الثالثة: الكذب على الله، والقول عليه بغير علم، من أكبر الكبائر.
الرابعة: لا يجوز نسبة قول إلى الشريعة إلا بدليل صحيح.
الخامسة: لا تغتر بالأماني، فإن النجاة تكون بالإيمان والعمل.
السادسة: الانتساب إلى الإسلام وحده لا يغني عن صاحبه إذا ترك أوامر الله وأصر على المعاصي.
السابعة: اجعل عملك شاهدًا على إيمانك، فالله ربط بين الإيمان والعمل الصالح في وعده بالجنة.

لقد بينت هذه الآيات أن أخطر ما يفسد الدين هو الجهل، وتحريف الوحي، والقول على الله بغير علم، وأن أخطر ما يفسد القلب هو الاتكال على الأماني الكاذبة.

فالطريق إلى النجاة واضح: علم نافع، وإيمان صادق، وعمل صالح، ومراقبة لله حتى يلقى العبد ربه وهو عنه راض.

معاني مفردات الآيات

أميون: لا يعلمون الكتاب علمًا صحيحًا.
أماني: أكاذيب أو تلاوة مجردة بلا فهم، وقيل: أمنيات باطلة.
يشتروا به ثمنًا قليلًا: يأخذوا به عرضًا من الدنيا.
عهدًا: وعدًا مؤكدًا من الله.
أحاطت به خطيئته: استولت عليه ذنوبه حتى هلك بها.
أصحاب الجنة: الملازمون لها المستحقون لدخولها.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام