الإثنين 12 صفر 1448 هـ || الموافق 27 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 7

الابتلاء طريق الإمامة، والتوحيد أساس بناء الأمة

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (41)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٢٤ وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِيمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ۝١٢٥ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ۝١٢٦﴾.

بعد أن كشف الله انحراف بني إسرائيل، وبيّن أنهم أضاعوا العهد الإلهي، انتقل السياق إلى ذكر إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام؛ ليبين أن شرف الدين لا يقوم على الأنساب، وإنما على الإيمان والطاعة والابتلاء والصبر.

قال سبحانه:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.

أي اختبره ربه بأوامر ونواه وتكاليف عظيمة، فقام بها كلها على أكمل وجه، فلم يتردد، ولم يعترض، بل سلّم لله تسليمًا كاملًا.

وكان من أعظم تلك الابتلاءات: إلقاؤه في النار، وأمره بذبح ابنه، وتركه أهله في واد غير ذي زرع، فنجح في كل امتحان؛ لأنه قدم محبة الله على كل شيء.

قال تعالى:
﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل).

ثم قال سبحانه:
﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.

أي قدوة يقتدى بك في التوحيد والإيمان والصبر والعبادة.

فالإمامة في الدين ليست بكثرة الأتباع، ولا بجمال البيان، وإنما بالصبر واليقين.

قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.

ثم قال إبراهيم عليه السلام:
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.

سأل ربه أن يجعل الإمامة في ذريته.

فأجابه الله:
﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.

أي أن الإمامة الدينية ليست وراثة، وإنما استحقاق بالإيمان والاستقامة، فمن ظلم نفسه بالشرك أو المعاصي التي تنافي هذا المقام، فلا يستحق هذا العهد.

وفي هذا رد على كل من يظن أن مجرد الانتساب إلى الصالحين يكفي للنجاة.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).

ثم قال سبحانه:
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾.

أي جعل الله الكعبة مرجعًا للقلوب، يعود إليها المؤمنون مرة بعد مرة، فلا تقضي النفوس منها وطرًا، وجعلها بلد أمن وسكينة.

ولذلك ترى الملايين يفدون إليها من كل فج عميق، ولا يملون النظر إليها ولا الطواف حولها.

ثم قال:
﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.

أي شرع الله الصلاة خلف مقام إبراهيم بعد الفراغ من الطواف.

وقد ثبت في صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب قال: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.

ثم قال سبحانه:
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.

أي طهراه من الشرك والأوثان والنجاسات وكل ما لا يليق ببيت الله، وهيئاه لعبادة الله وحده.

فأشرف بقعة في الأرض لا تصلح إلا للتوحيد والإخلاص.

ثم خص أربعة أصناف من العباد فقال:
﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.

وفي ذلك إشارة إلى أن البيت إنما بني لعبادة الله، لا للمظاهر، ولا للتجارة، ولا للمفاخرة.

ثم قال سبحانه:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.

بدأ إبراهيم بالدعاء بالأمن قبل الرزق؛ لأن الأمن أساس الحياة، ولا تستقيم عبادة ولا علم ولا تجارة ولا عمران إلا في ظل الأمن.

ثم قال:
﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.

خص المؤمنين بالدعاء؛ لأنهم أهل الكرامة عند الله.

لكن الله أخبر أن رزقه في الدنيا يعم المؤمن والكافر.

فقال:
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

فمتاع الدنيا مهما طال فهو قليل، أما الآخرة فهي دار الجزاء الدائم.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء).

فلا يغتر مؤمن بما يرى من سعة أرزاق الكفار؛ فإنها متاع زائل، والعبرة بالخاتمة.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: الابتلاء ليس علامة غضب الله، بل قد يكون طريقًا إلى أعلى المنازل إذا صبر العبد وأحسن الطاعة.
الثانية: القيادة في الدين لا تنال بالوراثة ولا بالأماني، وإنما بالإيمان واليقين والصبر والاستقامة.

الثالثة: أشرف ما يعمر به بيت الله هو التوحيد والإخلاص، فطهر قلبك كما أمر الله بتطهير بيته.
الرابعة: الأمن من أعظم نعم الله، وبدونه تضطرب حياة الناس ودينهم، فاشكر الله عليه، وأكثر من الدعاء بحفظه.
الخامسة: لا تغتر بسعة الدنيا على أهل الكفر؛ فإنها متاع قليل، والنعيم الحقيقي هو نعيم الآخرة.
السادسة: المؤمن يجعل همَّه أن يكون من ورثة إبراهيم في التوحيد والطاعة، لا الانتساب أو الادعاء.
السابعة: كلما ازداد العبد وفاءً بأوامر الله، رفعه الله في الدنيا والآخرة، كما رفع خليله إبراهيم عليه السلام.

إن هذه الآيات تعلمنا أن بناء الأمم يبدأ ببناء العقيدة، وأن الإمامة في الدين لا تُنال إلا بعد امتحان وصدق وثبات، وأن الكعبة التي تهفو إليها القلوب إنما شُيدت لتوحيد الله وحده.

فمن أراد أن يكون من أتباع إبراهيم حقًا، فليحقق التوحيد، وليصبر على الطاعة، وليجعل قلبه بيتًا طاهرًا لا يسكنه إلا حب الله وتعظيمه.

معاني مفردات الآيات

ابتلى: اختبر وامتحن.
بكلمات: بأوامر وتكاليف شرعية.
فأتمهن: أداهن كاملات من غير تقصير.
إمامًا: قدوة يقتدى به في الدين.
عهدي: وعدي بالإمامة والكرامة.
الظالمين: وأعظم الظلم الشرك، ويدخل فيه كل ظلم ينافي هذا المقام.
مثابة: مرجعًا يعود إليه الناس مرة بعد مرة.
مقام إبراهيم: الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه السلام عند بناء الكعبة.
العاكفين: المقيمين الملازمين للمسجد الحرام للعبادة.
الركع السجود: المصلين.
أمتعه قليلًا: أمهله في الدنيا زمنًا يسيرًا.
أضطره: ألجئه وأسوقه قهرًا.
المصير: المرجع والمنتهى.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام