السبت 17 صفر 1448 هـ || الموافق 1 غشت 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 6

تمام النعمة بإكمال القبلة وإقامة الحجة

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (49)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۝١٤٩ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝١٥٠﴾.

لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم باستقبال الكعبة في الآية السابقة، أعاد الأمر هنا مرتين، وليس ذلك من باب التكرار الذي لا فائدة فيه، وإنما هو من باب التأكيد والاعتناء بهذا الحكم العظيم؛ لأنه من أبرز أحكام الإسلام، ولأن الأمة ستبقى متعبدة به إلى قيام الساعة، ولأن تحويل القبلة كان فاصلاً بين مرحلة وأخرى في تاريخ الأمة.

قال سبحانه:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.

أي من أي مكان خرجت، وفي أي سفر أو حضر كنت، فتوجه في صلاتك إلى جهة المسجد الحرام.

فهذا يدل على عموم الحكم، وأن استقبال القبلة ليس خاصًا بمدينة دون أخرى، ولا بحال دون حال، بل هو فرض على كل مصلٍّ إذا قدر عليه.

ثم أكد سبحانه ذلك بقوله:
﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾.

أي إن هذا التشريع حق ثابت لا ريب فيه، مصدره رب العالمين، وليس اجتهادًا بشريًا ولا مساومة مع أهل الكتاب.

وفي هذا تثبيت لقلوب المؤمنين؛ لأن الحق لا يزداد حقًا بموافقة الناس، ولا ينقص بمخالفتهم.

ثم ختم الآية بقوله:
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

أي أن الله مطلع على امتثالكم أو تقصيركم، وعلى إخلاصكم أو ريائكم، فلا يخفى عليه شيء من أعمالكم.

وفي هذا ترغيب للمطيع، وتحذير للعاصي.

ثم أعاد سبحانه الأمر مرة أخرى فقال:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.

فجمع بين خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وخطاب الأمة كلها؛ ليبين أن شرف الأمة في اتباع نبيها، وأنها مخاطبة بما خوطب به رسولها إلا ما دل الدليل على اختصاصه به.

ثم بين الحكمة من هذا التشريع فقال:
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.

أي حتى تنقطع حجج المعترضين.

فقد كان اليهود يحتجون بأن النبي صلى الله عليه وسلم يخالف ما يدعيه من اتباع إبراهيم، الذي كان يستقبل بيت المقدس حسب قولهم، فلما أمر باستقبال الكعبة بطلت حجتهم.

وكان المشركون يعظمون الكعبة، فلما استقبلها النبي صلى الله عليه وسلم قامت عليهم الحجة أيضًا، إذ صار أولى الناس ببيت الله من بعثه الله بدين إبراهيم.

ثم استثنى سبحانه فقال:
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.

أي إلا المعاندين الذين قامت عليهم الحجة، فإنهم لا يتركون الاعتراض ولو جاءتهم كل آية.

فالظالم لا يطلب الحق، وإنما يطلب الغلبة والانتصار لهواه.

ولهذا قال سبحانه:
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾.

وهذه قاعدة عظيمة في حياة المؤمن.

فلا يجوز أن يحمل خوف الناس العبد على ترك أمر الله، أو تغيير دينه، أو المداهنة في الحق.

إن الخشية التي تستحق أن تملأ القلب هي خشية الله وحده.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾.

وقد ثبت عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك).

فمن امتلأ قلبه بتعظيم الله، صغر في عينه كل ما سواه.

ثم قال سبحانه:
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.

فمن أعظم نعم الله على هذه الأمة أن أكمل لها شرائعها، وميزها عن سائر الأمم، وجعل قبلتها أشرف بقاع الأرض.

وكل أمر شرعه الله فهو نعمة، وإن شق على النفوس في أول الأمر؛ لأن عاقبته خير في الدنيا والآخرة.

ثم ختم الآية بقوله:
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

أي لتسلكوا طريق الهداية الكاملة، فإن الهداية الحقة لا تكون إلا باتباع الوحي، والاستسلام لأمر الله، وترك الاعتراض على أحكامه.

ومن تأمل هذه الآيات وجد أن الهداية ارتبطت بالامتثال، وأن النعمة ارتبطت بالطاعة، وأن الخشية الصادقة لا تكون إلا لله.

وقد ثبت في صحيح البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:

صلى النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، فتوجه نحو الكعبة.

وفي هذا الحديث بيان سرعة امتثال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأمر الله، فما إن نزل الوحي حتى تحولوا إلى القبلة الجديدة في أثناء الصلاة، فكان ذلك من أعظم صور السمع والطاعة.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: أحكام الله كلها حق وعدل، سواء أدرك العبد حكمتها أم خفيت عليه.
الثانية: كثرة تأكيد الأمر في القرآن تدل على عظم شأنه ووجوب العناية به.
الثالثة: المؤمن لا يلتفت إلى شبهات المعاندين بعد قيام الدليل، وإنما يزداد ثباتًا على الحق.
الرابعة: لا ينقطع كلام أهل الباطل واعتراضهم، فلا تجعل رضاهم غاية، فإنهم لا يرضون إلا باتباع أهوائهم.
الخامسة: من امتلأ قلبه بخشية الله زال عنه الخوف المذموم من الناس.
السادسة: كل تشريع شرعه الله نعمة ورحمة، وإن خالف عادة الناس أو أهواءهم.
السابعة: الهداية ثمرة التسليم لله، فمن ازداد امتثالًا ازداد هداية.

معاني مفردات الآيات

شطر المسجد الحرام: جهة المسجد الحرام.
الحق: الأمر الثابت الذي أوحاه الله.
حجة: برهان أو شبهة يحتج بها.
الذين ظلموا: المعاندون المكابرون الذين ردوا الحق بعد ظهوره.
فلا تخشوهم: لا تخافوا اعتراضهم ولا تهديدهم.
واخشوني: اجعلوا خوفكم وتعظيمكم لله وحده.
لأتم نعمتي عليكم: لأكمل عليكم نعم الدين والهداية.
تهتدون: توفقون إلى الصراط المستقيم والثبات عليه.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام