الأربعاء 14 صفر 1448 هـ || الموافق 29 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 7

وحدة دين الأنبياء، والانقياد للحق

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (44)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًاۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝١٣٥ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ۝١٣٦ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۝١٣٧﴾.

بعد أن بين الله أن ملة إبراهيم هي دين التوحيد، وأن الأنبياء أوصوا أبناءهم بالإسلام، جاء الرد على دعاوى أهل الكتاب الذين زعم كل فريق منهم أن الهداية لا تكون إلا باتباعه.

قال تعالى:
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.

أي قالت اليهود: لن تكونوا مهتدين حتى تدخلوا في اليهودية، وقالت النصارى: بل الهداية في النصرانية.

وهذه طبيعة أهل الباطل؛ يجعلون الحق محصورًا في أهوائهم، لا فيما أنزله الله.

فأمر الله نبيه أن يرد عليهم بقوله:
﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.

أي ليست الهداية في الانتساب إلى طائفة أو اسم، وإنما في اتباع دين إبراهيم، وهو التوحيد الخالص والانقياد لله.

والحنيف هو المائل عن كل باطل إلى الحق، وعن الشرك إلى التوحيد.

ولهذا ختم الآية بقوله:
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

وفيه رد على كل من نسب إلى إبراهيم شيئًا من الشرك أو البدع، فإن الله شهد له بأنه بريء من ذلك كله.

ثم أمر الله المؤمنين أن يعلنوا عقيدتهم الجامعة فقال:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا...﴾.

فهذه الآية من أعظم الآيات بيانًا لعقيدة المسلم؛ فهو يؤمن بالله، وبالقرآن، وبجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله قبل أن يلحقها التحريف، ويؤمن بجميع الأنبياء دون تفريق.

ولهذا قال:
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾.

أي لا نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض، كما فعل أهل الكتاب.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري في صحيحه:
(الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد).

أي أن أصل دعوتهم واحد، وهو توحيد الله، وإن اختلفت بعض الشرائع.

والإخوة لعلات هم الإخوة الذين أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفات.

ثم قال المؤمنون:
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

أي منقادون لله وحده، مخلصون له العبادة، لا نتبع الهوى، ولا نقدم قول أحد على وحي الله.

وهذا هو حقيقة الإسلام التي بعث الله بها جميع الأنبياء.

ثم قال سبحانه:
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾.

أي إن آمنوا بهذا الإيمان الكامل الذي يجمع الإيمان بالله ورسله وكتبه جميعًا فقد أصابوا طريق الهداية.

أما إذا رفضوا بعض الرسل أو بعض الوحي، فليسوا على هدى.

ثم قال:
﴿وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾.

أي إن أعرضوا بعد قيام الحجة، فإنهم في عداوة ومخالفة للحق.

والشقاق هو أن يكون الإنسان في شق، والحق في شق آخر، فلا يجتمعان.

ثم طمأن الله نبيه بقوله:
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾.

وهذا وعد عظيم من الله لرسوله، تكفل فيه بحفظه من أعدائه، ونصره عليهم، وقد أنجز الله وعده.

وقد قال سبحانه:
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.

ومن اعتمد على الله كفاه، ومن توكل عليه أغناه.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز).

فالكفاية من الله تكون مع صدق التوكل، ولزوم طاعته.

وختمت الآية بقوله:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

فهو السميع لأقوال عباده، العليم بنياتهم وأعمالهم، لا يخفى عليه شيء، وسيجازي كل إنسان بما يستحق.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: الهداية لا تنال بالانتساب إلى الأسماء والشعارات، وإنما بالإيمان الصحيح واتباع الوحي.
الثانية: ملة إبراهيم هي التوحيد الخالص، فكل دعوة تخالف التوحيد ليست من ملته.
الثالثة: المسلم يؤمن بجميع الأنبياء والرسل، ويجلهم جميعًا، ولا يفرق بينهم في أصل الإيمان.
الرابعة: أعظم شرف للمؤمن أن يعلن في كل حين: ونحن له مسلمون.
الخامسة: من أعرض عن الحق بعد ظهوره، فإنه يعيش في شقاق مع الله ورسله وعباده المؤمنين.
السادسة: إذا قام العبد بالحق، واعتصم بالله، وتوكل عليه، فإن الله يكفيه كل من عاداه.
السابعة: لا ينبغي للمؤمن أن يخاف كثرة أهل الباطل، فإن النصر من عند الله، وهو السميع العليم.

إن هذه الآيات تؤكد أن الإسلام ليس دينًا جديدًا، بل هو دين جميع الأنبياء، وأن النجاة ليست في الأنساب ولا في الألقاب، وإنما في توحيد الله، والإيمان بجميع رسله، والاستسلام الكامل لوحيه. فمن تمسك بهذا المنهج فقد أخذ بأوثق عرى الإيمان، ومن أعرض عنه فلن تزيده كثرة الأتباع إلا بعدًا عن الحق، والله كاف عباده المؤمنين، وناصر أوليائه إلى قيام الساعة.

معاني مفردات الآيات

هودًا: يهودًا.
حنيفًا: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد.
الأسباط: قبائل بني إسرائيل، والمراد أنبياؤهم ومن أنزل عليهم.
لا نفرق بين أحد منهم: نؤمن بجميع الرسل، ولا نكفر ببعضهم.
مسلمون: منقادون لله مخلصون له.
شقاق: عداوة ومخالفة ومباينة للحق.
فسيكفيكهم الله: سيحفظك وينصرك عليهم ويصرف عنك شرهم.
السميع: السميع لجميع الأقوال.
العليم: المحيط بكل شيء علمًا، ظاهرًا وباطنًا.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام