حكم قيادة المرأة للسيارة، ضوابط وأحكام
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س169: في الآونة الأخيرة كثر الجدل عن قيادة المرأة للسيارة فقد أفتى علماء السعودية سابقاً بالنهي عن قيادة السيارة للمرأة، ولكن عندما قرأت قبل شهرين لبعض العلماء أنه قد تراجع عن هذا القرار، وقد سالت الشيخ مراد القدسي عن هذا الموضوع فقال بالجواز للحاجة، فما رأي فضيلتكم في هذه المسالة، وكيف تقدر حاجة المرأة لقيادة السيارة؟
ج169: ليست المسألة ذات أهمية إذا كنا ننظر لها من ناحية خلاف العلماء بين من جوَّز قيادة المرأة ومن لم يجوزها، لأن الخلاف سينتهي بين راجح ومرجوح، وعادة عامة الناس إلا من رحم الله يأخذ من الخلاف ما وافق هواه، لكن علينا أن نبحث عن الحق والحجة التي قام على صحتها دليل شرعي من الكتاب والسنة سواء في هذه المسألة أو في غيرها.
فالسيارة أو المركبة كما هو معلوم لدى الجميع نوعٌ من الركوب في عصرنا الحاضر، وقديماً كانت وسيلة الركوب عبارةً عن الحمير والبغال والخيول والجمال والفيلة ونحوها، وكانت المرأة قديماً تمتطي هذه المركوبات منفردة تقودها أو مرافقة، ولذا إذا جاز ذلك زمن النبوة أو كان جبلياً جاز للمرأة اليوم أن تقود مثل هذه الوسائل العصرية كالسيارة، لكن ينضبط في حقها ضوابط الشرع المطهر في المرأة التي كانت قديماً تقود هذه الحيوانات المركوبة.
وحاصل هذه الضوابط الشرعية وفقاً للأدلة التالية، التي إذا التزمت بها المرأة جاز لها أن تقود السيارة، وإذا لم تلتزم بها لم يجز لها قيادة السيارة:
الضابط الأول: أن تلتزم بحجابها الشرعي، وفي مقدمة ذلك تغطية الوجه عند رؤية الرجال فقد ثبت من حديث عائشة –رضي الله عنها- الذي في الصحيحين أنها قالت:"لقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلي الفجر فيشهد معه الناس من المؤمنات متلفعات [1] بمروطهن [2] ، ثم ينقلبن إلى بيوتهن ما يعرفن من شدة الغلس" ([3]).
وجاء –أيضًا- عنها –رضي الله عنها- كما صح ذلك عند أبي داود وغيره قالت: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلَتْ إحدانا جلبابَها من رأسِها إلى وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه" ([4]).
وثبت عن أسماء بنت أبى بكر -رضي الله عنهما- قالت: "كنا نُغطِّي وجوهنا من الرجال، وكنَّا نمتشط قبل ذلك" أخرجه ابن خزيمة وغيره ([5])، ومعنى ذلك أنها ستحتاج إلى لبس النقاب الذي من خلاله تستطيع أن ترى بعينه أو عينيها الطريق، دفعاً للأضرار المترتبة على غياب الرؤية.
وقد سبق الجواب على حديث الخثعمية كما في الفتوى المتقدمة برقم (47) من سلسلة مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته.
الضابط الثاني: أن تحافظ على بصرها بحيث لا تنظر إلى الأجانب وإلى ما حرم الله.
قال الله تعالى: "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ"([6])
ثم أكد ذلك بقوله تعالى: "ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ".
أما حديث عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا "وأشار إلى وجهه وكفيه([7]).
فقد أخرجه أبو داود في سننه بإسناد ضعيف، وقال أبو داود في سننه: هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها.
فيا سبحان الله كيف بالذي يحدث المرأة الأجنبية وينظر إليها ويطلب منها ما شاء من غير ساتر وكأنها من محارمه.
وليس معنى ذلك تحريم نظر النساء إلى الرجال مطلقًا، بل إذا نظرت للرجال دون أن تصوَّب نظرها لرجل معين فأكثر فلا يحرم لكن التصويب بالنظر لرجل بعينه فأكثر لا يجوز، والأشد منه حرمة إن كان بشهوة هذا هو أصح الأقوال، وهو الراجح لحديث: عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا التي أسأم([8] ) فاقدروا[9] قدر الجارية الحديثة السن[10] الحريصة على اللهو [11] ؛ والحديث متفق عليه.
وليس كل جارية غير بالغة، فمنهن البالغات ومنهن غير البالغات، وهو الأصل.
الضابط الثالث: ألا يخلو بها أو يجلس معها على انفراد بالسيارة رجل من غير المحارم لحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم" فقام رجل فقال يا رسول الله امرأتي خرجت حاجة واكتتبت[12] في غزوة كذا وكذا قال: "ارجع فحج مع امرأتك" متفق عليه[13].
وأيضاً عندهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم"[14].
الضابط الرابع: ألا تسافر بالسيارة إلا مع ذي محرم لحديث ابن عباس المتقدم.
الضابط الخامس: ألا تخرج من بيتها بسيارتها إلا لحاجة للحديث الذي أخرجه الترمذي في جامعه بإسناد صحيح من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها[15] الشيطان"[16].
وصدق الله إذ يقول: " وَقَرْنَ[17] فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ[18] تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"[19] .
الضابط السادس: ألا تخرج بسيارتها إلى مواقع الفتن والأذى أو يكون في خروجها فتنة لغيرها، وخصوصاً الفتن التي تمثل خطراً عليها وعلى عفتها دفعاً للأضرار والمفاسد، ومما لا يخفى أن الشريعة الإسلامية بكل أحكامها وأوامرها ونواهيها جاءت لتحقيق المصالح للعباد وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، ولو كان في هذه الشريعة شيء خلاف المصلحة، لم يصح وصفها بأنها شريعة سمحة مطهرة، وفي الحديث الحسن لغيره من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت مرفوعًا: "لا ضرر ولا ضرار"[20] أخرجه أحمد وابن ماجد وغيرهما.
وثبت عن المقداد بن الأسود - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها" أخرجه أبو داود وغيره.
الضابط السابع: ألا تخرج معطرة أو ملامسة لشئ من البخور ونحوه من الروائح الزكية، فهذا محرم، وهي في حكم الزانية إن فعلت ذلك، فقد ثبت عند أبي داود والترمذي وغيرهما عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس كذا وكذا" يعني زانية.
وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة".
الضابط الثامن: ألا تخرج المتزوجة من بيت زوجها إلا بإذنه، ولا تخرج غير المتزوجة إلا بإذن وليها للحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما قال عليه الصلاة والسلام: "إذا استأذنت امرأة أحدكم الى المسجد فلا يمنعها"، ولفظ البخاري: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن"، ولمسلم وأحمد بلفظ: "إذا استأذنت أحدكم امرأته الى المسجد فلا يمنعها".
وقد اتفق الفقهاء على حرمة خروج المرأة لغير ضرورة إلا بإذن زوجها، ما لم فهي زوجة ناشزة، كما اتفقوا على حرمة خروج الفتاة أو المرأة غير المتزوجة من بيت وليها من غير إذنه إلا لضرورة.
الضابط التاسع: أن لا يفضي خروجها إلى ترك واجب.
كأن تخرج على حساب تربية ورعاية بيتها وزوجها وأولادها، فهذا التفريط لهذه الواجبات لا يجوز لأنها مسؤولة عن تلكم التربية والرعاية، وفي الحديث المتفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"[21].
وبهذه الضوابط جاز للمرأة أن تقود السيارة، ما لم فلا تجوز قيادتها.
وأما قول السائل: "كيف تقدر حاجة المرأة لقيادة السيارة" فالجواب: أن الحاجة شاملة لكل ما فيه توسعة على ابن آدم ورفع الضيق عنه والمشقة اللاحقة بفوت مصلحة، ودرء مفسدة، وتقدر كل حاجة بقدرها حسب الزمان والمكان.
ومعنى ذلك: أن من التوسعة إذا التزمت المرأة بالضوابط الشرعية المتقدمة لقيادة السيارة أن تخرج بسيارتها مع أطفالها لزيارة صديقتها في منزلها كي تنفس على نفسها من خلال تجاذب أطراف الحديث المباح مع هذه الصديقة.
ومن رفع الضيق والمشقة والحرج أن تقود السيارة لإسعاف زوجها أو محرمها دفعاً لمفسدة المرض وطلباً لمصلحة السلامة، ولذا تقدر كل حاجة بقدرها لرفع المشقة والحرج حسب الزمان والمكان، وبالله التوفيق.
[1] أي: متجللات متلففات.
[2] أي: بأكسيتهن؛ واحدها مِرط بكسر الميم.
[3] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب أبواب الصلاة في الثياب - باب في كم تصلي المرأة من الثياب (1/146 رقم 365)] ، ومسلم في "صحيحه" [كتاب المساجد ومواضع الصلاة -باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها (1/445 رقم 645)].
[4] أخرجه أبو داود في "سننه" [كتاب المناسك - باب في المحرمة تغطي وجهها (1/104 رقم 1835)] وأحمد في "المسند" (40/21 رقم 24021).
[5] أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" [كتاب المناسك- باب إباحة تغطية المحرمة وجهها من الرجال (4/203 رقم 2690)] ، والحاكم في "المستدرك" [أول كتاب المناسك (1/624 رقم 1668)].
[6] سورة النور, الآية (31).
[7] أخرجه أبوداود في سننه [كتاب اللباس, باب فيما تبدي المرأة من زينتها(2/460 رقم 4104)] من حديث أم المؤمنين عائشة.
[8] أمل.
[9] بضم الدال من قدرت الشيء إذا نظرت فيه ودبرته أي انظروا وتأملوا أو من المقدار أي فاقدروا من الزمان قدر الجارية أي مقدار وقفة الجارية.
[10] الصغيرة الشابة القريبة العهد بالصغر.
[11] أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب النكاح, باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة(17/372 رقم 5236)], ومسلم في صحيحه [كتاب صلاة العيدين, باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد(5/472 رقم2100)] كلاهما من حديث أم المؤمنين عائشة.
[12] كتبت نفسي في أسماء من عيَّن لتلك الغزاة.
[13] أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الجهاد والسير, باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة وكان له عذر هل يؤذن له(3/1094 رقم 2844)], ومسلم في صحيحه [كتاب الحج, باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره(2/978 رقم 1341)] كلاهما من حديث ابن عباس.
[14] أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الحج, باب حج النساء(2/658 رقم 1763)], ومسلم في صحيحه [كتاب الحج, باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره(2/978 رقم 1341)] كلاهما من حديث ابن عباس.
[15] زينها في نظر الرجال، وقيل : نظر إليها ليغويها ويغوى بها، والأصل في الاستشراف رفع البصر للنظر إلى الشيء وبسط الكف فوق الحاجب.
[16] أخرجه الترمذي في سننه [كتاب الرضاع, باب(3/476 رقم 1173)] من حديث عبد الله بن مسعود.
[17] استقررن وليكن عليكن الوقار.
[18] تظهرن ما يفتن الآخرين.
[19] سورة الأحزاب : 33.
[20] أخرجه أحمد في مسنده [مسند بنى هاشم, مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم(1/313 رقم 2867)] من حديث ابن عباس.
[21] أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس, باب العبد راع في مال سيده ولا يعمل إلا بإذنه(2/848 رقم 2278)], ومسلم في صحيحه [كتاب الإمارة, باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم(2/1459 رقم 1829)] كلاهما من حديث ابن عمر.