الأربعاء 3 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 20 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 11860

حكم لبس الجنابي والسيوف والخناجر والمسدسات وسائر الأسلحة المرصعة بالذهب

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني 


س 238: عرفنا حرمة لبس الذهب للرجال، ولكن بعض الأثرياء يعمل على قرن الجنبية فصاً أو فصين من ذهب، فهل يدخل هذا في التحريم؟


ج 238: في ذلك خلاف مشهور، فبعض المشايخ يقول: إن كان القصد من لبس السلاح أو الجنبية المحلاة بالذهب الزينة فحرام، وإن كان القصد من لبس السلاح أو الجنبية لأجل الدفاع عن النفس من أي أخطار قد تطرأ فهذا جائز، بحيث يكون الذهب في قبيعة السيف أو الجنبية، والقبيعة هي القرن "الرأس الذي يقال له قائم السلاح" موضع مسك السيف أو الجنبية أو الخنجر ونحوها من الأسلحة.

وبعضهم قال: لا بأس بالقليل في قبيعة السلاح.

والقولان السابقان فيهما نظر لكونهما خلافاً للأدلة الشرعية كما سيأتي.

والقول الثالث: حرام مطلقاً.
والقول الرابع: من جوزه مقيداً في حالة الحرب لإرهاب العدو وتخويفه، وهذا القول من التوسعة التي لا دليل عليها.

وعلى جميع الأحوال من يلبس الجنبية اليوم باليمن وسلطنة عمان وبعض مناطق دول الجزيرة وغيرها لا يلبسونها من أجل كونها سلاحاً بل الغالب أنها للزينة، وعلى كل حال أقول: لا ينبغي وضع الذهب للرجال في أي سلاح يتقلده سواء كان للزينة أو للسلاح في حرب أو غيره لأن من أجازه للسلاح أو لأجل إرهاب العدو لم يستند لدليل صحيح في المسألة، ثم أدلة تحلية السلاح بالذهب لا تصح البتة، وقد وردت أحاديث وآثار في هذا الباب، وكلها ضعيفة من حيث الإسناد أو الاستدلال، ولا ترتقي للاحتجاج، وإليك بيانها: عن مزيدة قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وعلى سيفه ذهب وفضة"،  قال طالب [وهو ابن حجر]، فسألته عن الفضة؟ فقال: "كانت قبيعة السيف فضة" أخرجه الترمذي في جامعه والطبراني في المعجم الكبير وغيرهما، والحديث منكر فهو معل بهود بن عبد الله بن سعد، وهو مجهول.

والمعروف ما ثبت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة" والحديث أخرجه الأربعة إلا ابن ماجه.

وعن نافع: "أنه كان في سيف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الذي شهد به بدراً سبيكة أو سبيكتان من ذهب" أخرجه ابن وهب في جامعه، وهذا أثر شاذ لأنه من طريق أسامة بن زيد الليثي وهو حسن الحديث إذا لم يخالف وقد خالف غيره من الثقات، فإن الثقات يذكرون سيف عمر أنه محلى بالفضة وليس بالذهب:  فقد ثبت عند الطحاوي في شرح مشكل الآثار عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: "كانت قبيعة سيف عمر من فضة، وكان ابن عمر يتقلده"، قلت وهذا هو المحفوظ وما سبقه شاذ كما تقدم.

ومثله في الشذوذ ما أخرجه أحمد في فضائل الصحابة بإسناد ضعيف: "أن عمر كان له سيف فيه سبائك من ذهب"، وآفته سعيد بن مسلمة الأموي، وهو ضعيف.

لكن صح أثر عثمان بن حكيم : أنه قال: "رأيت في قائم سيف سهل بن حنيف مسمار ذهب" أخرجه ابن أَبي شيبة في مصنفه، إلا أن قوله "مسمار ذهب" إشارة إلى أنه أصلحه بمسمار ذهب، لأن المسمار أداة إصلاح، وقد فعل ذلك اجتهاداً منه رضي الله عنه، ولم يجعله سبيكة متعمدة أو فصاً ولا جعل قبيعته من ذهب.

وجاء في بعض كتب الفقه "عثمان بن حنيف" والصواب سهل كما أشرت له.

بل عموم أدلة الذهب تقضي بالمنع على الرجال مطلقاً سواء في السلاح أو غيره، وقد ورد أن الأسلحة في زمن السلف كانت خالية من الذهب، ففي صحيح البخاري بإسناد متصل من حديث أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه قال: "لقد افتتح الفتوح أقوام ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة، إنما كانت حليتها العلابي والآنك والحديد".

والعلابي: الجلود غير المدبوغة، والآنك: الرصاص.

وأما حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهى عن ركوب النمار، وعن لبس الذهب، إلا مقطعاً" فقد أخرجه أبو داود في سننه والنسائي في سننه المجتبئ والكبرى، وأحمد في مسنده، والطبراني في المعجم الكبير والبيهقي في السنن الكبرى، والحديث في الجملة صحيح، وهو يشير لحلي المرأة على المشهور، لأن الجواز في كل الأدلة الخاصة بالذهب ورد في حقها، وقيل يشير للحلي التي فيها اليسير التافه لا زكاة فيه، وقيل يقصد ما كان يسيراً في قبيعة السيف للرجال، وقيل لا يُعرف المقصود، ولذا قال الهروي في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 2802) : "فيحتمل أن معاوية روى النهي عن لبس الذهب كما رواه غيره، ثم رأى أن اليسير التافه منه إذا ركب على الفضة التي أبيحت للرجال فتحلى به قبيعة السيف، أو حلقة المنطقة، أو يشد به فص الخاتم غير داخل في النهي قياسا على اليسير من الحرير، فاستدرك ذلك بالإنشاء من كلامه، والله أعلم بحقيقة ذلك" اهـ.

قلتُ: تبادر إلى ذهن الهروي وابن القيم وجماعة من أهل العلم أن قوله "إلا مقطعاً" ليست مرفوعة وإنما هي من كلام معاوية، وهذا غير صحيح، بل هي عبارة مرفوعة كما سيأتي بيان ذلك قريباً.

وأما الرواية الأخرى: "بينما نحن مع معاوية في بعض حجاته إذ جمع رهطا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال لهم ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا قالوا اللهم نعم" فقد أخرج هذه الرواية الطيالسي في مسنده، وأحمد في مسنده،  والنسائي في المجتبئ وفي الكبرى، والطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في السنن الكبرى كلهم من طريق واحدة عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي.

وأبو الشيخ وإن كان مجهولاً فقد روى عنه جمع من الثقات، فهو حسن الحديث، لكن آفته عنعنة قتادة فإنه لم يصرح بالتحديث، وليس مكثراً عن الهنائي.

قال ابن القيم في زاد المعاد (1/ 264) : "ونحن نشهد الله أن هذا وهم من معاوية، أو كذب عليه" اهـ.

قلتُ: لكن قد ثبتت الرواية من رواية بيهس بن فهدان عن أبي الشيخ عن معاوية بنحو السياق السابق كما في السنن الصغرى والكبرى للنسائي وفي المعجم الكبير للطبراني خلافاً لما ادعاه ابن القيم رحمه الله، وبذا ثبت أن قوله: "إلا مقطعاً" مرفوعة لكنها لا تفيد جواز ذلك في الأسلحة كما فهمه بعض الفقهاء لأن قرائن الأدلة تشير إلى الذهب الذي أجازه الشرع للنساء بدليل أنه قُرِن في روايات كثيرة بالحرير فدل على أن المقصود النساء خاصة، وهذا مذهب الجمهور بالاستقراء إلا ما لا بد منه للرجال كشد سن واتخاذ أنف للحديث الثابت عن عبد الرحمن بن طرفة بن عرفجة قال وزعم عبد الرحمن أنه رأى عرفجة قال: "أصيب أنف عرفجة يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من وَرِق فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب" أخرجه أحمد وأبو يعلى في مسندهما، والحديث حسن، ولعل سهل بن حنيف فهم من قوله: "إلا مقطعاً" وضع مسمار الذهب لإصلاح سيفه، وقد تقدم الكلام حول ذلك.

والخلاصة أن معنى: "إلا مقطعاً" إشارة لحلي المرأة خاصة ويدخل في ذلك الرجال في ما لا بد منه كشد سن واتخاذ أنف ووضع سيخ لجبر كسور الآدميين ونحو ذلك، وهذا ما يظهر من حديث عرفجة، أما الأسلحة فليس ترصيعها بالذهب من الأمور التي لا بد منها، وخصوصاً أنه لا يصح في جواز ذلك دليل، بل كانت سيوف السلف خلاف ذلك كما صح في رواية البخاري المتقدمة.

قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقاته على المسند: "وهذا الذي انتهى إليه أهل العلم الذين تُعتمد أقوالهم ويُرجع إليهم في فقاهة النصوص، فقد أباح السلف جميعاً لبس الذهب للنساء مطلقاً، وقام الإجماع على ذلك، ولا يعرف لهم فيه مخالف، وأما في حق الرجال، فقد ثبت حرمة الحرير والذهب عليهما، واستثني بالنسبة إليهما ما تدعو إليه الحاجة، كشد السن، واتخاذ الأنف، كما في حديث عرفجة، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (20/64) : "وأما باب اللباس، فإن لباس الذهب والفضة يباح للنساء بالاتفاق، ويباح للرجل ما يحتاج إليه من ذلك، ويباح يسير الفضة للزينة، وكذلك يسير الذهب التابع لغيره، كالطرز ونحوه في أصح القولين في مذهب أحمد وغيره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الذهب إلا مقطعاً" اهـ.

والحاصل: لا ينبغي لبس السلاح كالجنبية والخنجر والسيف والمسدسات والبنادق ونحوها وفيها شيء من الذهب قل أو كثر ومثل ذلك ساعة اليد وكل شيء يلبسه الرجل للزينة أو غيرها لما تقدم بيانه، وأما لو كانت هذه الأسلحة لا تلبس وإنما تدخر سواء كانت مرصعة بالذهب أو كلها من الذهب الخالص فلا بأس بذلك ويلزم إخراج زكاتها لأنها صارت ذهباً مدخراً غير ملبوس.

وأما إذا كان السلاح الملبوس ثميناً غير الذهب فلا بأس بلبسه سواء كان من الماس أو اللؤلؤ أو الزمرد أو الذهب الأبيض المسمى بالبلاتين ونحوها من المعادن الثمينة فكله يجوز في السلاح والتختم به لكونه لم يثبت التحريم إلا في لبس الذهب الأصفر، والتورع عن اللبس أولى، ولو فرضنا خلط الصائغ في الخاتم أو السلاح نسبة من الذهب الأصفر مع نيكل أو بلاتين ونحوها من المعادن وصار الخليط لوناً غير أصفر فإن هذا ليس ذهباً، ولا بأس من لبسه لكونه غير الوصف الذي حرمه الشرع، لكن لو وضع فصاً أو قطعة من ذهب أصفر فوق خاتم الفضة أو الساعة أو السلاح فإن هذا الفص أو هذه القطعة ذهب وحينها يحرم، ومثله يحرم الملبوس المطلي بالذهب إذا ظهر اصفراره ومثله إذا أمكن فصله وتقشيره بشرط ظهور الاصفرار بعد الصياغة فإنه يحرم لإمكان فصله، فلا فرق بين ذهب نقي ومخلوط ظهر اصفراره ومقطّع ومتّصل ومُطعّم ونحوها مما يمكن فصله بعد الصياغة أو غلب عليه الاصفرار نظراً لنسبة الذهب، وبالله التوفيق.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام