المنهجية في طلب العلم
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 265: يا شيخ أسال الله أن يوفقك على ما تقوم به من جهد في نشر العلم ونشر الخير وتعليم الناس، شيخنا أنا في مشكلة وأحس بضيق بسببها، أنا شاب ملتزم بدأت أطلب العلم ولكن يا شيخ لم أجد من المشايخ من يوجهني بشكل صحيح (منهجية في طلب العلم) كل الدروس متقدمة وأحس أحيانا أنني ضائع معهم وحاولت أن أبدأ بمنهجية وحدي على الأشرطة فقط .. ولكن لا أحس بالانضباط بها، فما نصيحتكم يا شيخ في هذا الأمر وأيضًا يا شيخ أعاني من مشكله أخرى أحس أن الإيمان لم يتمكن من قلبي .. فأصلي وأحاول أن استحضر عظمة الله في الصلاة وأحاول الخشوع وما إن أتمكن من التركيز إلا وبالشيطان يشغلني عن الصلاة .. وأفكر في أشياء أخري رغم أنها في الدعوة ونشر الخير وطلب العلم .. والله ما من سجود أو وقت للدعاء إلا ودعوت بأن يرزقني الله الخشوع وأنا لم أقنط من رحمة الله ولم أيئس من الإستمرار في الدعاء .. ولكن لا أريد أن تضيع صلاتي بسبب عدم الخشوع .. أرجو أن أجد الحل والتوجيه الصحيح في هذه المسألة؟
ج 265: المنهجية في الطلب مطلوبة ومعناها: الطريقة أو الخطة السليمة في الانطلاقة في طلب العلم، وغيابها عند الراغبين في الطلب ومن يطلبون العلم من الأمراض المضرة التي لا تحمد عقباها، فلا بد من إخواننا المشتغلين في التعليم أن يفقهوا جيدًا حال الطالب الذي يرغب في الدراسة على أيديهم قبل أن يبدأ، وأن يوجهوه التوجيه السليم بماذا يبدأ وعند من يلتحق وكيفية الأخذ وطريقة الحفظ والمراجعة فإن هذا أمر مهم.
أما أن يبدأ الطالب بكبار الكتب قبل صغارها وبعويص المسائل ومشكلها قبل محكمها وواضحها بطريقة ترجلية ثم ما هي إلا أيام قليلة حتى صار شيخًا فاضلًا ومفتيًا مبارزًا فهذه فوضى وطيشان لا مستقبل له، بل يلزم التعقل والذهاب إلى أهل العلم وسؤالهم بالبداية الصحيحة للطلب.
كذلك لا ينبغي للطالب أن يعكف على الأشرطة العلمية ليبدأ الطلب بواسطتها، لكن لا بأس في حالتين:
الأولى: إذا كان الطالب يدرس الكتاب المقرر لدى شيخ معين فيرجع إلى البيت مثلًا فيعيد استماع الدرس بواسطة المسجل أو يسمع نفس الكتاب بشرح شيخ آخر قد سجل أيضًا درسه في نفس الكتاب الذي يحضر حلقاته.
الثانية: إذا كان الطالب قد درس هذا الفن لكنه لم يتمكن أوأراد مراجعته بسبب فترة طويلة مرت وخشي أن يضيع عليه فلا بأس أن يسمع ما تلقى في كتاب دَرَسَه أو في نفس الفن من الكتب الأخرى.
فالمنهجية في طلب العلم تعتبر من لوازمه لأنها تُلْزِم طالب العلم بالتدرج، وقد أحسن الشيخ محمد بن سعيد البيروتي عند أن قال:
وَلْيَكُ فيهِ الأَخْذُ بِالتَّـــدَرُّجِ
فإنَّهُ أَدْعَى إلى التَّخَــــــرُّجِ
واحْذَرْ مِنَ الإفْرَاطِ والتَّفْرِيْــطِ
لأنَّهُ يَدْعُو إلى التَّثْبِيــــــطِ
فالسيْرُ في طِريقِ الاعتــــدال
مِنْ أَنْفَعِ العَادَاتِ والخِصَــــالِ
إِذِ النَّجَاحُ مَعَهُ مَكْفــــولُ
وللفَلاحِ إنَّهُ يَـــــــؤُولُ
وكان علماؤنا رحمهم الله يتدرجون في الطلب، ولهذا فينبغي للطالب أن يبدأ بدراسة الخط والإملاء ثم حفظ كتاب الله كله إن أمكن مع دراسة أحكام التجويد فإذا انتهى فالنحو مع مقرر يسير في التوحيد ثم التفسير والصرف وعلوم البلاغة الثلاثة -البيان والمعاني والبديع- ثم يحفظ ما استطاع من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يدرس في العقيدة والتوحيد كالواسطية والطحاوية وكتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي ثم يدرس الفقه والمواريث شيئًا فشيئًا وينبغي له أن يقدم حفظ المتون ثم شروحها فإذا انتهى من ذلك درس بقية علوم الآلة كالأصول والمصطلح والشروح المطولة الأخرى، ولا يدخل في فن حتى يخرج بحصيلة كبيرة من سابقه وهكذا.
ولا يدرس إلا عند من لديه أهلية التدريس ممن يعرف بالتقوى والورع والعلم الراسخ، وعليه أن يقدم علماء بلده فإذا انتهى الأخذ منهم انتقل إلى بلدة أخرى وأن يهتم بالمسموعات والمحاصيل العلمية أكثر من اهتمامه بكثرة الشيوخ، وأن يراجع العلم وخصوصا المحفوظ منه حتى يرسخ في الذهن.
وقد قال بعضهم وأظنه عبد الله بن المبارك: "من أحبَّ أن يستفيدَ فلينظر في كتبه"(1).
فمراجعة المحفوظات تُكْسِب الطالب ملكةً تؤهله لأداء علمه متى طُلب منه.
قال بشار بن برد:
عِلْمِي مَعي أيْنَمَا يَمَّمَتُ يَتْبَعُــني
بَطْنِي وِعَاءٌ لَهُ لا بَطْنُ صُنــــدوقِ
إنْ كنتُ في البيتِ كان العِلمُ فيهِ مَعِي
أو كنتُ في السوقِ كان العلمُ في السُّوقِ
ولا يقدم الطالب أثناء طلبه فنين أو كتابين مثلًا وحاله لا يؤهله فإنه يخشى عليه من الانتكاسة أو السآمة من العلم لكونه ما زال مبتدئًا في الطلب
ومما هو مشاهد أن بعض الطلاب يكون مندفعًا لطلب العلم ومتعطشًا له فيرى حلقات العلم فيحضرها بنية أن يستفيد بكثرة فلما يرى أنه قد لزمه مراجعة درس كل حلقة وكل فن يدرسه يتضجر ويمل ويسأم ويتراجع اندفاعه للعلم إلى الوراء وربما يترك العلم بالكلية.
وهذا أمر محسوس إلا أن الواجب على الطالب المبتديء أن يجالس عالمًا ورعًا يثق في دينه وأمانته ويستشيره في رغبته في الطلب.
وعندها يلزم الطالب الأخذ بنصيحة وإرشاد العالم النصوح.
كما ينبغي لأهل العلم أن يرتبوا حلقات طلابهم ويوجهوا أبناءهم إلى الحلقات العلمية المفيدة مع اختبارهم والنظر في سير طلبهم العلم بعين الاعتبار.
وألّا يتعجل الطالب في إصدار الفتوى ومخالفة غيره كما قلنا آنفًا طالما ولا زال طالبًا لم يبلغ منزلة العالم فإن التعجل يُوْرِث الغرور وسوء الأدب حتى يصل حال بعض الناشئة إلى أن يُفرض رأيه وقوله -وهو طويلب علم أو أقل- على شيخه أو من هو أعلم منه.
كما قال القديم:
يقولون هذا عندنا غيرُ جائزِ
ومَنْ أنتمُ حتى يكونَ لكم عندُ
فحصول ذلك من سوء الأدب ويعود في الأصل إلى غياب المنهجية الصحيحة في الطلب والله المستعان.
أما ذهاب الخشوع كله أو جله في الصلاة فهذا حاصل عند كثير من الناس وهو مرض قديم سببه وساوس الشيطان ومداخله وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام العلاج النبوي لهذا المرض.
ففي صحيح مسلم: أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي(2) يلبسها علي(3).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك شيطان يقال له خنزب(4) فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا" قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني(5).
وفق الله السائل لطاعته وأعاننا وإياه على الخير؛ وبالله التوفيق.
_____
(1) أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي أبوبكر، تقييد العلم، تحقيق: يوسف العش، دار إحياء السنة النبوية، الطبعة الثانية، 1974 هـ،(1/140).
(2) نكدنى فيها ومنعني لذتها والفراغ للخشوع فيها.
(3) يخلطها ويشككني فيها.
(4) الجريء على الفجور .
(5) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب السلام، باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة (4/1728 رقم 2203)] من حديث أبي العلاء.