هل الأعمال شرط كمال أو صحة للإيمان؟
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 434: هل الأعمال شرط كمال أو صحة للإيمان؟
ج 434: ازداد الخوض في ذلك والخلاصة لو قلنا بأنها شرط صحة فمعناه أن الإيمان باطل بعدمها لأن انعدام الأعمال معناه على هذا القول انعدام الإيمان الذي يستلزم منه الكفر، وكذا لا يزيد ولا ينقص لأن نقصانه بطلان الإيمان بالكلية لكون القاعدة على مذهبهم تنص على لزوم وجود الأعمال فوجودها وجود الإيمان وهذا كلام خطير مفض إلى تكفير الأمة ولم يقل به أهل السنة والجماعة وأما ما نسبه بعض الدعاة المتأخرين إلى مذهب أهل السنة فكلام مردود ليس عليه أثرة من علم، وإن قلنا بأنه شرط كمال فمعناه أن غياب الأعمال لا يستلزم منه نفي الإيمان وهذا يعني أنه شرط كمال وهذا هو مذهب أهل السنة.
لكن لا يعني أن كل الأعمال لو غابت أصبح الرجل مؤمنًا لا ولكن المقصود أنه في الجملة شرط كمال تغليبًا إلا ما نص عليه الدليل بالكفر كنواقض الإسلام وكذا ترك الصلاة عند من يقول بأن تركها كفر مطلقًا.
وللأسف أنه وجد في عصرنا من يتحايل على قواعد أهل السنة في باب التكفير فيقول:
نقصد بشرط صحة أن يذهب أصل الإيمان لا مسماه وهذه بدعة جديدة وتقوَّل لا يستند إليه، ولا أدري من أين أخذه هؤلاء الذين يدندنون بمثل هذه الترهات، وقديمًا نقلنا لهم كلام الحافظ ابن حجر من الفتح فقالوا: هو أشعري وهم الذين كانوا يدافعون عنه بالأمس القريب عند أن قام الحداديون في المدينة باتهامه بالأشعرية وقالوا: بل هو ثقة في نقل كلام السلف، واليوم يقولون يقصد بالسلف الأشاعرة فيا سبحان الله كيف ينقل كلام أهل السنة من أمثال المروزي والثوري ثم يقال عنه أشعري وإليكم ما نقله فيما يختص بهذه المسألة مع عزوه يرحمه الله لأهل السنة أمثال الثوري و المروزي وعبد الرزاق ولكن البدعة والحزبية تعمي وتصم فانظر ما قاله الحافظ في فتح الباري يقول رحمه الله:
فالسلف قالوا هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله. ومن هنا نشأ ثَمَّ القول بالزيادة والنقص كما سيأتي. والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط. والكرامية قالوا: هو نطق فقط. والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته والسلف جعلوها شرطًا في كماله.
وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى. أما بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره، ومن نفي عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فعل فِعل الكافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته. وأثبتت المعتزلة الواسطة فقالوا:
الفاسق لا مؤمن ولا كافر . وأما المقام الثاني فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص.
وأنكر ذلك أكثر المتكلمين وقالوا متى قيل ذلك كان شكًا. قال الشيخ محيي الدين: والأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا يعتريه الشبهة. ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكلا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها. وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه (تعظيم قدر الصلاة) عن جماعة من الأئمة نحو ذلك، وما نقل عن السلف صرح به عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان الثوري ومالك بن أنس و الأوزاعي وابن جريج ومعمر وغيرهم، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم.
وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في (كتاب السنة) عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبي عبيد وغيرهم من الأئمة، وروى بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. وأطنب ابن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين وكل من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين. وحكاه
فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السنة والجماعة، وقال الحاكم في (مناقب الشافعي) : حدثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. وأخرجه أبو نعيم في ترجمة الشافعي من الحلية من وجه آخر عن الربيع وزاد: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ثم تلا "ويزداد الذين آمنوا إيمانا"(1)، انتهى كلامه رحمه الله، فماذا بعد الحق الضلال؟ لكن أقول من قصد بقوله: شرط كمال بمعنى الإقرار فقط فهذا باطل وهو عين قول المرجئة لأنه لا إيمان إلا بعمل إذ الإيمان قول وعمل وإن قصد التغليب بمعنى ما أشرنا إليه آنفًا فهو صحيح، وكذا أيضًا لو قصد من يقول هو شرط صحة أنه لا إيمان إلا بوجود عمل في الجملة فهذا صحيح لكن لو قصد أنه لا إيمان إلا بعمل الأعمال المشروعة جملة وتفصيلًا
فهذا باطل لأنه قول الخوارج الذين يكفرون بالمعصية، ونستثني من قول الحافظ قوله: إن الإيمان بالنسبة لنا هو الإقرار فهذا في غير موضعه لأنه يفهم منه أن الإيمان في الجملة صحيح بمجرد الإقرار وإن لم يكن هناك عمل وهذا بخلاف ما عليه أهل السنة فلينتبه لذلك؛ والخلاصة: أن قول الفريقين من معاصري أهل السنة شرط صحة أو كمال راجع في الأصل إلى قصد وفقًا لما سبق بيانه، وبالله التوفيق.
____
([1]) ابن حجر، فتح الباري (1/47)، مصدر سابق.