حكم الصلاة إلى القبر، والقصر في الصلاة
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 668: فضيلة الشيخ، لقد سافرت في مهمة عمل إلى إسطنبول، ولاحظت أن أغلب المساجد القريبة من شقتي بها قبور، والسؤال: هل تجوز الصلاة في المسجد الذي به قبر مع العلم أن القبور خارج بيت المسجد، لكنها داخلة في السور، وأغلبها من جهة القبلة، وماذا عن الجمعة مع العلم أني سأبقى لمدة ستة أشهر، ومتى أعتبر مقيمًا وتنتهي رخصة السفر؟
ج 668: أما الصلاة إلى القبر فلا تجوز لحديث أبي مرثد الغنوي - رضي الله عنه - الذي أخرجه مسلم في صحيحه وغيره قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول -: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها"([1]).
وجاء في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أخبرته أم سلمة وأم حبيبة بكنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله"([2]).
وكون القبر في سور المسجد فإن هذا ذريعة للشرك والعياذ بالله، ولذا لا تحلّ الصلاة في مسجدٍ بداخل سوره قبرٌ، والأشد حرمةً أن يكون في جهة القبلة؛ لأن الناس يصلون إلى جهة القبر ما دام وهو في جهة القبلة.
لكن قد يقول قائل: وهل هذا شرك؟
والجواب: ما دام أن بين المصلين والقبر سور المسجد فلا يكون شركًا؛ لأن الشرك في هذا الباب إنما إذا قصد المصلي عين القبر، إلا أن هذا الفعل حرامٌ؛ لأن الساحةَ من المسجدِ، ولذلك إذا ازدحم المصلون بالمسجد سيضطرون أن يصلوا في الساحة، وهذا يعني أنهم سيصلون في ساحة فيها قبر، وعليه فيجب نبش القبر، ونقل رفات الميت إلى خارج المسجد، وإلا فلا تجوز الصلاة في هذا المسجد الذي بساحته قبر سواء كانت الصلاة للصلوات الخمس المفروضة أو الجمعة، لكن لا يعني أن الصلاة باطلة بل هي صحيحة لأن العبد صلاها لله، لكن لا تجوز الصلاة في هذه المساجد لأن الصلاة فيها تشجيع لمن بناها ومن هو قيمُ عليها حيث جمع بانيها بين بيت الله والقبر الذي محله المقبرة.
أما القصر الوارد في سؤالك فهو رخصة لك على الراجح من مذهب الجمهور خلافاً للظاهرية والشوكاني وغيرهما ممن يقولون بوجوبه، فمتى أذن المؤذن فلك أن تقصر؛ لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : "فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ"([3]) فقد أمن الناس، فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"([4]).
وعليه فلك القصر ما دام أنت مسافر؛ لأنه يجوز القصر حال السفر مدة بقائك في البلدة التي سافرت إليها ما لم تُجمع على أيام محددة، فإن نويت أن تبقى ستة أشهر أو أي مدة محددة لم يجز لك القصر أكثر من ذلك لحديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كما في الصحيحين: "وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى"([5]).
وقد ثبت عن نافع أن ابن عمر - رضي الله عنه - أقام بأذربيجان([6]) ستة أشهر يصلي ركعتين([7])، وذلك لأنه متردد لم يجمع على إقامة، وثبت في حديث جابر -رضي الله عنه - كما في المسند قال: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة([8]).
فلو زدت يوماً فأكثر على المدة التي نويت أن تبقى في تركيا فإنه يلزمك على القول الصحيح أن تصلي جماعة مع المسلمين من غير قصر؛ لأن النية شرطٌ وقد عقدتها على ستة أشهر، وبالله التوفيق.
[1] أخرجه مسلم "في صحيحه" [كتاب الجنائز - باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه (2/ 668 رقم972)]، من حديث أبي مرثد الغنوي - رضي الله عنه -.
[2] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب أبواب المساجد - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد (1/165 رقم 417)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور (1/ 375 رقم 528)]، كلاهما من حديث عائشة - رضي الله عنها -.
[3] سورة النساء: (101).
[4] أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب صلاة المسافرين وقصرها (1/ 478 رقم 686)].
[5] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب الإيمان - باب ما جاء أن الأعمال بالنية الحسنة ولكل امرىء ما نوى (1/30 رقم 54)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب الإمارة - باب قوله -صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنية.. (3/ 1515 رقم 1907)].
[6] ويقال: أذربيجان [بالمد]، إقليم في بلاد إيران على الحدود الشمالية الغربية.
[7] أخرجه البيهقي في السنن (3/152)، وعبد الرزاق في المصنف (4339).
[8] أخرجه أحمد في "المسند" (14139)، وأبو داود في "السنن" [كتاب صلاة القصر - باب إِذَا أَقَامَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ يَقْصُرُ (1/ 477 رقم 1237)].