فتوى تتعلق بالمرأة العمانية التي ادعت أنها تملك علاجاً واحداً لكل الأمراض عام 2002م
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 446: هذه فتوى تتعلق بالمرأة العمانية التي ادعت أنها تملك علاجًا واحدًا لكل الأمراض وقد جاء السؤال طلبًا من بعض طلبة العلم بسلطنة عمان لبيان حكم الشرع في هذه القضية وفقًا للشرع المطهر، فكان الجواب كالتالي:
ج 446: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، ومالك يوم الدين، لا إله إلا الله كلمةُ الإسلام، ومفتاحُ دار السلام، وعنها يُسأل الأولون والآخرون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمة للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحجةً على الخلائق أجمعين، وبعد:
فقد اطلعت على الجريدة المرسلة من إخواني في الله بسلطة عمان والتي تحمل في طياتها المقابلة الصحفية مع المدعوة: صفية بنت حمد الحارثي التي تعالج كافة الأمراض على حد زعمها وبالأخص مرض السرطان بدواء واحد، وبعد التمعن والنظر في طيَّات ما تقوم به المذكورة آنفًا وبناء على كثرة المطالبات من كثير من الناس في إصدار فتوى شرعية تتعلق بذلك وهل هذا ينافي أحكام الشريعة أو يوافقها، وما إلى ذلك مما تعرضت له من الأسئلة التي أحجمت عن الجواب عنها حتى وصلتني هذه الصحيفة، ومن خلالها وقفت على كلام هذه المعالجة وقصة الدواء وهي تحكيه للأخت الصحفية التي أجرت معها اللقاء، وفيه ذكرت أنه يتجمع حول بيتها بولاية إبراء مئات البشر من أماكن شتى كلهم يريد هذا الدواء الذي اعتقد كثير من الناس أنه معجزة كما تقول الصحفية التي أجرت المقابلة مع المذكورة آنفًا فأقول وبالله التوفيق:
ما من مرض على وجه الأرض يصيب الأمة إلا وقد جعل الله له دواء يكون سببًا لرفع ذلك المرض، وقد وردت الأدلة المتكاثرة التي تدل على ذلك منها:
ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء"(1).
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل"(2).
وأخرج أحمد والأربعة إلا النسائي والحديث صحيح عن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنده كأنما على رؤوسهم الطير.
قال: فسلمت عليه وقعدت، قال: فجاءت الأعراب فسألوه، فقالوا: يا رسول الله نتداوى؟
قال: "نعم تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم".
قال: وكان أسامة حين كبر يقول: هل ترون لي من دواء الآن؟
قال: وسألوه عن أشياء هل علينا حرج في كذا وكذا؟
قال: عباد الله وضع الله الحرج إلا امرأ اقتضى امرأ مسلما ظلما فذلك حرج، وهلك.
قالوا: ما خير ما أعطي الناس يا رسول الله قال: خلق حسن (3).
وأخرج أبو داود في سننه عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام"(4).
وأخرج ابن ماجة في سننه والحديث حسن لغيره عن أبي خزامة – رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: "هي من قدر الله"(5).
فهذه الأحاديث ونحوها تدل على أن الأدوية من الأسباب التي يجوز التداوي بها وأنها لا تنافي القدر البتة وأن الشافي هو الله وحده وهي سبب ليس غير.
ولكن لم يرد في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن هناك علاجًا معينًا من الأدوية يجوز أن يكون شفاء لكل داء سوى الحبة السوداء لما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام(6)"(7).
وفي رواية عند مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من داء إلا في الحبة السوداء منه شفاء إلا السام"(8).
وهذه المرأة تعالج كافة هذه الأمراض بهذا الدواء فصار في معتقد الأمة أنه أفضل من الحبة السوداء وأنفع منها وهذا الأمر أول ما يمكن أن يقال بأنه مخالف لواقع الأدلة الشرعية، فالشرع يقول لكل داء دواء ويستثنى من ذلك الحبة السوداء وهذه المرأة تضيف إلى قاموس الأدلة علاجها المزعوم وتقول وهو أيضًا شفاء لكل مرض، فيا سبحان الله خفي هذا عن الشرع وظهر لها، أليس من اعتقاد العقلاء فضلًا عن المؤمنين المتقين أن لكل سبب مسببًا فكيف صارت القاعدة عكسية لكل الأسباب مسبب واحد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق.
لكن أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس – رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشفاء في ثلاثة في شرطة مِحْجَم(9) أو شربة عسل أو كية بنار وأنا أنهى أمتي عن الكي"(10).
وأقول: هذا الحديث قد شرحه الحفاظ وبينوه وقالوا: إنه يغلب على أن المذكورة فيه هي أجمع ما يمكن أن يعالج به ولا يعني أن كل واحدة منها بمفردها هي تنفع لكافة الأمراض مع أن هناك قولًا لبعض أهل العلم بنحو ذلك في الحبة السوداء فما بالكم بمن يدعي أن عنده علاجًا واحدًا يقضي على كافة الأمراض.
نعم قدرة الله فوق كل قدرة ولكن لا بد من مسوغ شرعي حتى يُستساغ شرعًا وحتى لا يدعي كل واحد بدعوى لا أساس لها من الصحة.
وقديمًا ذكر المؤرخون أن فلاحًا كان يملك تبيعًا وهو الذكر من البقر فمر رجل ساحر ومعه خيل فسحر الرجل هذا التبيع فجعله يركض خلف خيله فجاء الفلاح فقال: هذا التبيع حقي فقال له الساحر: بل هو حقي وهو مولود من هذا الخيل.
فقال الفلاح وهو في حالة دهشة: كيف يلد الخيل: بقرة أو تبيعًا؟!!!!
فقال الرجل: الله على كل شيء قدير، قدرة الله فوق كل قدرة.
فارتفعت القضية إلى القاضي: فقال القاضي للفلاح: هل هذا التبيع ملكك؟
قال الفلاح: نعم والله أسقي عليه وأحرث والناس يعرفون ذلك.
ثم قال للرجل الآخر: وأنت هل هو ملكك؟
قال الرجل: نعم هو حقي.
فقال القاضي: وما الدليل أنه حقك؟
قال: الدليل أنه يتبع خيلي بل هو ابنه ويعرض عن هذا الفلاح الذي يدعي أنه ملكه؟
فقال القاضي: كيف يتبعه والخيول لا تلد البقر؟!!!!!!
فقال: الله على كل شيء قدير، قدرة الله فوق كل قدرة.
قال القاضي: تعالوا لي من الغد كي أحكم بينكما فجاءوا: فخرج عليهم واعتذر عن الحكم بينهما؟
فقال الرجل: ولِمَا لم تحكم اليوم حسب وعدك.
فقال القاضي: إني حائض ولا أحكم إلا إذا كنت على طهارة.
فقال الرجل: إن النساء هن اللواتي يحضن لا الرجال.
فقال القاضي: الله على كل شيء قدير، قدرة الله فوق كل قدرة.
فبهت الساحر واعترف بذنبه، وأعاد التبيع لصاحبه.
فكل من يحتج بالقضاء والقدر في مثل هذه المواضع من غير مسوغ شرعي سيوقع الأمة في المهالك.
فذاك سيدعي أنه حج واعتمر وهو في بيته فإذا أنكر عليه قال: الله على كل شيء قدير، قدرة الله فوق كل قدرة.
فهل نصدقه!!
وآخر سيقول: لقد جُعْتُ يوم أمس فيسر الله أن أدخلني جنة الفردوس فأكلت منها فشبعت فإذا أنكر عليه قال: الله على كل شيء قدير، قدرة الله فوق كل قدرة.
فهل نصدقه!!
وآخر سيقول: لقد مررت بقبر رسول الله عليه الصلاة والسلام فمد يده فصافحني فإذا أنكر عليه قال: الله على كل شيء قدير، قدرة الله فوق كل قدرة.
فهل نصدقه!!
وذاك سيقول: لقد جبت العالم في ساعتين فإذا أنكر عليه قال: الله على كل شيء قدير، قدرة الله فوق كل قدرة.
فهل نصدقه!!
لا ما هكذا تورد الإبل يا سعد فالله على كل شيء قدير، وقدرة الله فوق كل قدرة.
ولكن تحت ضوابط الشرع التي تخضع لنصوص الكتاب والسنة لا التي تخضع للهوى والهوس.
وحتى ينضبط جوابنا على الإخوة السائلين حول هذه المسألة نلخص عمل هذه المرأة وطبَّها حتى يعرفَ واقع المسألة قبل الفتيا فيها ويتلخص ذلك في التالي:
أولًا: تأبى المرأة أن تخبر عن تركيبة هذا الدواء.
ثانيًا: تخصص توزيعه بعد صلاة الفجر أو قبيل صلاة الفجر.
ثالثًا: تقول بأن المرأة التي علمتها رأت في ذلك رؤيا وكان بها مرض السرطان وأنه قيل لها علاجك في هذا الدواء فشفيت وكانت تعالج به من كافة الأمراض مجانًا فلما طمع زوجها في طلب المال صار العلاج كالماء السائل الذي لا ينفع فتعلمت منها هذا الدواء فصار نافعًا بحجة أنه يوزع مجانًا.
رابعًا: تقول إن من صحة نفع الدواء أن يوزع يوم الاثنين فقط ولا ينفع توزيعه في غير هذا اليوم.
خامسًا: تقول حتى يكون الدواء ذا مفعولية فإني عند تركيبه أكفنه كما يكفن الميت.
سادسًا: تعطيه مجانًا ويساعدها على توزيعه جمعية شاطئ النجاة الخيرية.
سابعًا: تلزم المريض بقراءة دعاء معين قبل شرب هذا الدواء وهذا الدعاء هو: بسم الله الشافي بسم الله الكافي بسم الله المعافي، لا بأس، ربِّ الناس، اشفني يا شافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادره، بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم – قالت: مرة واحدة.
هذه هي أهم ما جاء في كلام هذه المرأة وجواب ذلك في التالي:
أولًا : تأبى المرأة أن تخبر عن تركيبة هذا الدواء سوى بالسر لابنتها الكبيرة ولما سئلت كما سألها غير واحد قالت: لا يمكن لأن الناس لو علموا تركيبه لتقززوا منه لأنه ذو رائحة كريهة وهذا جواب غير مقنع، فما زال الأطباء في القديم والحديث يقيمون المخابر المصممة لتركيب الأدوية والتي منها أدوية كريهة الرائحة عند التركيب وبعده فما احتجوا وقالوا لا يمكن الإفصاح عنه ولا منعوا الناس من التعليم والمعرفة بل بسطوا ذلك في كتبهم وعبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة حتى تستفيد الأمم والشعوب، بل وقد يكون في كتمانه نوع من كتمان العلم إن كان بالفعل علاجًا صالحًا مفيدًا، فما زال وراء ذلك سر مكمون لا تريد المرأة أن تفصح عنه، ولكن لماذا هذا الكتمان رغم أنها لا تأخذ مالًا عن المرضى؟
هذا سؤال محير عند البعض، وفي نظري أنها مستفيدة بطرق غير مباشرة فلعل هناك من يدعمهما بطرق خفية من أقوام يستفيدون من وجود الناس حولها.
وبعض الناس قد يساندها ويطالب بالدعم باسم توزيع العلاج لهؤلاء المرضى.
وربما أن جهة أو جهات تجمع الأموال حتى يقال من أجل موظفيها المتطوعين الذين يقومون بتوزيعه بين الناس هناك عدة طرق، فباب التحايل سهل في مثل هذه المواطن، فهل يعقل أن هؤلاء الذين يقومون بتوزيع العلاج والصبر على ذلك العناء لا يجدون ما يحصلون عليه ولو بطرق غير مباشرة، هذا غير محتمل إلا عند أن يكون إيمانهم كإيمان الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
ولكن واقعهم خلاف ذلك تمامًا، لأن الناس إلا من رحم الله بلا وظائف وهم يتعيشون بأي الطرق التي تجمع لهم المال ولو بطريقة غير صحيحة لجهلهم وبعدهم عن الدين وأنا على يقين تام أن هناك سرًا سيظهر اليوم أو غدًا، والأيام بيننا وهي دول كما قال تعالى: "وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ"(11).
مع أنها جاءتني بعض الأمور عن طريقة الدعم لهذه المرأة من خلال بعض الزوار من السلطنة ولولا التورع لذكرتها ولقلت مثلها يصدق ولكن الدين يعلم المسلم الأناة في الأمور كلها كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: للأشج أشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة"(12).
وكما قيل:
ستُبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلًا
ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ
ثانيًا: تخصص المرأة توزيعه بعد صلاة الفجر أو قبيل صلاة الفجر لماذا هذا الوقت بالذات؟ سئلت عن هذا؟
وقالت حتى يكون مفيدًا لأنه على الريق أقوى في المفعولية، وهذا ليس بمقنع فلو أنها قالت يشربه المريض على الريق قبل الطعام لكان مقبولًا، بحيث توزعه في غير هذا الوقت، لكنها خصصت توزيعه بعد صلاة الفجر حتى يحس الرجل بالتعب والشدة والعناء لكونه تعود في مثل هذا الوقت أن يكون نائمًا فتقوى عقيدته في الاهتمام بذلك فيتشبث القلب به تشبثًا تامًا حتى يعتقد أنه نافع فيتعلق به فيبتليه الله فينتفع به فتغتر المجتمعات بذلك شأنه شأن أي اعتقاد فإن بعض الناس قد يزور قبور الأنبياء والأولياء ويذبحون لها وينذرون النذور الكثيرة ويطلبون من صاحب القبر المدد والشفاء فيحصل الشفاء بأمر الله ويحصل الابتلاء لهذا الإنسان الضعيف فتقع الفتنة والتمحيص فيسقط في هذه الفتنة من يسقط إلا من سلمه الله نسأل الله العافية والسلامة.
ثالثًا: تقول صفية الحارثي بأن المرأة التي علمتها رأت في ذلك رؤيا وكان بها مرض السرطان وأنه قيل لها علاجك في هذا الدواء فشفيت وكانت تعالج به من كافة الأمراض مجانًا فلما طمع زوجها في طلب المال صار العلاج كالماء السائل الذي لا ينفع فتعلمت منها هذا الدواء فصار نافعًا بحجة أنه يوزع مجانًا.
وهنا عدة وقفات:
الأولى: من هي هذه المرأة التي رأت الرؤيا ومن هم الذين تعالجوا عندها؟ وهل هي بالفعل موجودة أو أسطورة وإذا كانت موجودة فهل هي متدينة عدلة تعرف بالصدق والأمانة أم المسألة خذوا ما سمعتم وصدقوا ولا تسألوا عن مصدره.
هذه أسئلة ترد في هذا المقام ولها حكمها في الشرع فإننا في عصر كثر فيه الكذب وأهل الدعاوى ولو فتح هذا المجال لادعى أقوام أمورًا ليس عليها أثرة من صدق، والمؤمن لا ينبغي أن يكون إمعة ولا يلدغ من جحر مرتين.
فنقول: مَنْ هذه المرأة؟
ومن حق المسلم أن يسأل ولو من باب الاطمئنان فهذا إبراهيم خليل الله يسأل ربه ليطمئن كما قال عنه ربنا في كتابه الكريم: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي"(13).
فما بالك بنا ونحن دون تلكم المنزلة منزلة النبوة.
فيُبحث عن صاحبة الرؤيا مَن هي؟
وتُطلب شرعًا إلى القضاء والنظر في موضوعها بعين الاعتبار من باب درء المفاسد وجلب المصالح، فقد حصلت الفتنة بهذه الرؤيا حتى تعلقت قلوب الناس بهذا الدواء المحسوس وكأن الشفاء بيد صفية لا بيد رب صفية رغم أنها تقول الشافي هو الله لكن فتنة ذلك جلبت ما هو غير متوقع بألفاظ ملفقة وطرق ملتوية ما عهدناها إلا عن المشعوذين والدجالين.
الثانية: صاحبة هذه الرؤيا على قولِ هذه المرأة - كانت تعاني من مرض السرطان فرأت الرؤيا التي تخبرها بعلاج هذا المرض.
والسؤال: كيف صار بعد ذلك هذا الدواء جامعًا لكافة الأمراض وكان في بداية أمره خاصًا بمرض السرطان!!!!! هل هذا اجتهاد منها أم أنها قد رأت رؤيا أخرى أم أنها جربت فصارت التجربة أكبر برهان.
وهذا يحتاج إلى جواب صحيح.
وليس هناك أنها رأت رؤيا أخرى فلعله اجتهاد مزعوم، فإن قالت: التجربة أكبر برهان أجبناها بما سبق وهو قولنا: إن الشرع يقول لكل داء دواء ويستثنى من ذلك الحبة السوداء وهذه المرأة تضيف إلى قاموس الأدلة علاجها المزعوم وتقول وهو أيضًا شفاء لكل مرض، فيا سبحان الله خفي هذا عن الشرع وظهر لها، أليس من اعتقاد العقلاء فضلًا عن المؤمنين المتقين أن لكل سبب مسببًا فكيف صارت القاعدة عكسية لكل الأسباب مسبب واحد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا اختلاق.
الثالثة: تقول إن صاحبة الرؤيا كانت تعالج به من كافة الأمراض مجانًا فلما طمع زوجها في طلب المال صار العلاج كالماء السائل الذي لا ينفع فتعلمت منها هذا الدواء فصار نافعًا بحجة أنه يوزع مجانًا.
فيا سبحان الله لما طمع الزوج أو أخذ المال مقابل هذا الدواء تحول إلى ماء وهل هذا الدواء روحاني كما يسميه بعض السحرة والمشعوذين وإلا كيف يتحول إلى ماء، ومن المعلوم أن الأدوية المركبة تتركب من تراكيب معينة لتؤدي وظيفة معينة لا تفسد إلا لشيء حسي من عوامله انتهاء الصلاحية بسبب تبخر هذا الدواء أو انتهاء المواد الحافظة، وهذا غريب بسبب أخذ مال أو طمع دنيوي ينتهي مباشرة وأيضًا لا ينفع.
هذا من الغرائب التي لا تقبل لا عقلًا ولا شرعًا اللهم احفظ علينا عقولنا.
وهذا الكلام الذي تزعمه هذه المرأة وراءه أمر آخر، سينكشف للأمة بمشيئة الله ولو بعد حين وسينقلب السحر على الساحر.
رابعًا: تقول إن من صحة نفع الدواء أن يوزع يوم الإثنين فقط ولا ينفع توزيعه في غير هذا اليوم، وهذا من الأمور المكذوبة فكيف يتعلق هذا الدواء بهذا الزمن وهذا التعيين، رغم أنه ليس دواء نبويًا.
إذ الدواء النبوي يكون في أي وقت لكن قد يحدد بأيام ويحدده الشرع، ومن ذلك ما جاء في الحجامة فقد وصَّى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في السابع عشر والتاسع عشر والواحد والعشرين من الشهر العربي، وتكون في الساعة الثانية أو الثالثة من النهار بعد صلاة الفجر، وتكون على الريق أي لا يأكل قبل أن يحتجم، فهذه أفضل الأوقات والحالات التي تُجرى فيها الحجامة، لكن عرفت من الشرع ولا يعني أنها لا تصلح في غير هذه الأوقات بل صالحة في أي وقت.
أما الدواء المكتشف من العقاقير أو الأعشاب الطبيعية، فلا دخل لأيام الأسبوع إلا أن يكون صادرًا عن هوى أو هوس من مخترعيه.
فكيف تدعي هذه المرأة دواء لا ينفع إلا في يوم مخصوص لتربط عقائد الناس بمثل هذه الترهات.
خامسًا: تقول حتى يكون الدواء ذات مفعولية فإني عند تركيبه أكفنه كما يكفن الميت.
سبحان الله ولماذا هل هي شعوذة ولماذا يأخذ هذا الوصف وأين درستيه وهل هناك أبخرة لا بد أن تكون منضبطة بمثل هذا التجهيز أو التعتيم، وكيف لا بد أن يكفن معناه أنه لا ينفع حتى يكفن ولماذا كما يكفن الميت، هذه من أمور الشعوذة الغير مقبولة وما سبق هذا القول إلا منها فرفقًا بعقول المجتمعات.
ولكن للأسف وجدت من يصدقها في كل ما تقول.
وهذا ليس بغريب فقد قال الإمام ابن بطة العكبري في التحذير والاغترار بالكثرة: والناس في زماننا أسراب كالطير يتبع بعضهم بعضًا!! لو ظهر فيهم من يدعي النبوة - مع علمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء - أو من يدعي الربوبية لوجد على ذلك أتباعًا وأشياعا.
وهكذا فمن باب أولى أن تجد هذه المرأة من يصدقها أو على الأقل من يشايعها ويتبعها فيما تقول ولو من أجل المصلحة.
سادسًا: تعطي العلاج مجانًا ويساعدها على توزيعه جمعية شاطئ النجاة الخيرية.
أرى من الواجب على المعنيين أن يتحروا هذه الجمعية وأن ينظروا أمرها وما تقوم به بواسطة رجال أمن الدولة حتى يقوموا بالواجب الذي عليهم نحو دينهم ووطنهم وأمتهم ليعرفوا حقيقة علاقة هذه المرأة بهذه الجمعية وهل هناك صلة بينهما ومن أي الجهات حتى يردعوا كل من يسعى لإفساد عقائد الناس واستخفاف عقولهم وأخذ أموالهم بطرق ملتوية وحيل مختلفة، وهذا من واجب هؤلاء المعنيين فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
سابعًا: تلزم المريض بقراءة دعاء معين قبل شرب هذا الدواء وهذا الدعاء هو: بسم الله الشافي بسم الله الكافي بسم الله المعافي، لا بأس، رب الناس، اشفني يا شافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادره بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم – قالت: مرة واحدة.
وهذا الدعاء لم يرد بهذا اللفظ في سنة النبي عليه الصلاة والسلام فكيف تلزم الأمة بتشريع لم يأذن به الله وتحدده من غير دليل شرعي.
والسنة الواردة في هذا الباب أي في باب الرقية الشرعية مما يدل على تحريفها للدعاء المأثور:
ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد العزيز بن صهيب قال دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك فقال: ثابت يا أبا حمزة اشتكيت فقال: أنس ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، قال: بلى قال: "اللهم رب الناس مذهب البأس(14) اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقمًا(15)"(16).
وله ألفاظ تختلف تمامًا عن المذكور عن هذه المرأة مما يدل على جهلها بالسنة النبوية.
هذه هي السنة والملاحظ أن الدعاء الذي تعلمه الناس مؤلف على خلاف السنة، ثم لا يقول قائل: إن لم ينفع هذا الدواء فإنه لا يضر، فهذه المقالة في هذا المقام لا ينبغي أن تقال بعد أن تبين للناس من أمرها ما تبين وخصوصًا أنها أتت بأمور لا تتوافق مع الشرع والعقل معًا ثم علاجها الذي تدعيه لم ينفع أكثر الناس، مع أنها تقول بأنه صالح إذا وزع يوم الاثنين وكان عند الفجر وما أشبه ذلك فأين صلاحه إذن، مع أن بعضهم استعمله أكثر من عشر مرات دون جدوى.
والحاصل: أن هذه امرأة عامية لا تفقه أمور دينها ولا تعرف شيئًا في الطب سوى أنها كانت ممرضة عشرين سنة وكانت تعمل بولاية البريمي بمستشفى الولاية ثم انتقلت إلى ولاية إبراء وتفرغت لهذه البدعة الجديدة التي ضللت بها عقول الناس فالحذر الحذر من الافتتان بها فقد ضيعت عقول كثير من البشر داخل السلطنة وخارجها، مع أن كل من يخرج من ولاية إبراء بسيارته يدفع ريالين عماني بمعدل عشرين درهمًا إماراتيًا ويأتي عندها شهريًا ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مريض بمعدل ستين ألف درهم إماراتي شهريًا، فسبحان الله يصرف الناس هذا المال شهريًا من أجل الوصول لهذه المرأة.
لكن نأمل أن ينظر المسؤولون في أمرها بعين الاعتبار وأن يكوِّنوا لجنة من العلماء حتى يصدروا فتواهم فيها وتحال للسلطة التنفيذية وفقًا لمصلحة العباد والبلاد وأن تتولى وزارة الصحة أخذ عينة لتنظر هل له فوائد أو أضرار أم الأمر كما قلنا تضليل وشعوذة ودعاوى باطلة تغرر بها على الأمة وفق الله الجميع لطاعته وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أخرجه البخاري في صحيح [كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء (5/2151 رقم 5354)] من حديث أبي هريرة.
([2]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي (4/1729 رقم 2204)] من حديث جابر بن عبد الله.
([2]) خرجه أحمد في مسنده [مسند الكوفيين، حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه (4/278 رقم 18477)] من حديث أسامة بن شريك.
([4])أخرجه أبوداود في سننه [كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة (2/400 رقم 3874)] من حديث أبي الدرداء.
([5]) أخرجه ابن ماجة في سننه [كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء (2/1137 رقم 3437)] من حديث أبي حزامة.
([6]) الموت.
([7]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الطب، باب الحبة السوداء (5/2154 رقم 5364)]، ومسلم في صحيحه [كتاب السلام، باب التداوي بالحبة السوداء (4/1735 رقم 2215)] كلاهما من حديث أبي هريرة.
([8]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب السلام، باب التداوي بالحبة السوداء (4/1735 رقم 2215)] كلاهما من حديث أبي هريرة.
([9]) الحديدة التي يشرط بها موضع الحجامة ليخرج الدم.
([10]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث (5/2152 رقم 5357)] من حديث ابن عباس.
([11]) سورة آل عمران، الآية (140).
([12]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإيمان، باب الأمر بالأيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه من لم يبلغه (1/46 رقم 17)] من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما.
([13]) سورة البقرة، الآية (260).
([14]) شدة المرض.
([15]) مرضًا.
([16]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الطب، باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم (5/2167 رقم 5410)] من طريق عبد العزيز بن صهيب.