التوبة شروطها وآدابها
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 482: أنا شاب أنتمي إلى جهة عسكرية ويتوجب علي حضور بعض الحفلات الرسمية ويتم خلال الحفلة تناول المشروبات الكحولية.. ولتوطيد العلاقة مع بعض الشخصيات توجب علي في السابق أن أشاركهم مجونهم.. أما الآن فقد توقفت تماماً عن الشرب وحتى المشاركة.. ماذا يتوجب علي شرعياً.. أفدني أفادك الله؟؟
ج 482: يلزم عليك التوبة الصادقة فقد ارتكبت جرماً عظيماً بمشاركة هؤلاء القوم مجونهم ومعاصيهم فمثلهم لا خير فيهم ولا يجوز التقرب منهم بمعصية الله من أجل دنيا فانية.
ولا يكن تركك لهم لكونك توقفت عن العمل معهم ولكن كونك تائباً ومنيباً إلى الله سبحانه، فالرجل لا يدري متى يأتيه الأجل وعلى أي حال فليكن تركك لهم توبة وإنابة وعودة صادقة إلى الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً(1) عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ"(2).
ولا تكون التوبة صادقة حتى تستوفي شروطها:
وأولها: الندم لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "الندم توبة"(3) والحديث حسن أخرجه أحمد وابن ماجة وغيرهما.
ثانيها: الإقلاع عن المعاصي وإنكارها.
أما وجوب ترك المعاصي والإقلاع عنها فعملا بوصية الله جل وعلا حيث قال: "قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ(4) نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ(5) مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ(6) وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"(7).
وأما وجوب إنكارها فلكونها من المنكر الذي حرمه الشرع وأمرنا أن ننكره لقوله عليه الصلاة والسلام: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"(8).
ثالثها: أن يعزم على ألا يعود إليها مع ملازمة الاستغفار، ويكون العزم في القلب ويظهر أثره على الجوارح فإن انعدام العزم يفضي إلى العودة السيئة التي تنافي التوبة النصوح قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً(9) عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى(10) بَيْنَ أَيْدِيهِمْ(11) وبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا(12) وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(13).
والعازم الصدوق موفق متى ما صدق مع الله وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين: أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال: "أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها"، ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فَشُكَّتْ(14) عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت!، فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت(15) بنفسها لله تعالى"(16).
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة! انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق؛ أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد؛ فقبضته ملائكة الرحمة"(17).
وأمثلة كثيرة تبين العاقبة الحسنة للتائبين الصادقين فما أحوج المسلمين اليوم للتوبة النصوح.
نسأل الله أن يبعد عنا سبيل الغاوين وأن يصلح العباد إنه جواد كريم، وبالله التوفيق.
ــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) صادقة وقيل: خالصة وقيل: نصوحاً من نصاحة الثوب أي توبة ترفو خروقك في دينك وترم خللك.
([2]) سورة التحريم، الآية ( 8).
([3]) أخرجه ابن ماجة في سننه [كتاب الزهد، باب ذكر التوبة (2/1420 رقم 4252)] من حديث عبد الله بن مسعود.
([4]) من أجل فقر حاصل أو خوفًا من حصوله.
([5]) الذنوب العظام المستفحشة.
([6]) الظاهر منها والخفي، أو المتعلق منها بالظاهر، والمتعلق بالقلب والباطن.
([7]) سورة الأنعام، الآية (151).
([8]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان (1/69 رقم 49)] من حديث أبي سعيد الخدري.
([9]) صادقة وقيل: خالصة وقيل: نصوحاً من نصاحة الثوب أي توبة ترفو خروقك في دينك وترم خللك.
([10]) يمتد و ينتشر.
([11]) قدامهم.
([12]) أدمه أو زده.
([13]) سورة التحريم، الآية (8).
([14]) لفت وجمعت أطرافها لتستر وخللت عليها بعيدان وشوك ونحوهما فهي بوزن شدت ومعناه.
([15]) أخرجتها ودفعتها كما يدفع الإنسان ماله يجود به.
([16]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا (3/1324 رقم 1696)] من حديث عمران بن حصين.
([17]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الأنبياء، باب {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم} / الكهف 9 / (3/1280 رقم 3283)]، ومسلم في صحيحه [كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (4/2118 رقم 2766)] كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري.