مفهوم غض البصر على ضوء الشريعة
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 548: ما هو مفهوم غض البصر على ضوء الشريعة؟
ج 548: مفهوم غض البصر على ضوء الشريعة ألا تنظر إلى ما حرم الله كالنظر للمرأة الأجنبية أو عورة مسلم حتى وإن كان من المحارم وكذا رؤية الأمرد بنية الشهوة ونحو ذلك مما تشمله الأدلة.
وقد ورد في حفظ البصر وغضه أدلة عديدة من ذلك:
قوله تعالى: "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا(1) مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى(2)"(3).
وقوله تعالى: "وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً(4) فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ"(5).
ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والجلوس على الطرقات؟"
فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها.
قال: "فإذا أبيتم(6) إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها".
قالوا: وما حق الطريق؟
قال: "غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر"(7).
وعندهما أيضاً عن سهل بن سعد قال: اطلع رجل من جُحْر في حُجَر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مِدرًى يحك به رأسه.
فقال: "لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"(8).
وأخرج مسلم في صحيحه عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه قال: قال أبو طلحة: كنا قعودا بالأفنية نتحدث فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فقال: "ما لكم ولمجالس الصعدات اجتنبوا مجالس الصعدات".
فقلنا: إنما قعدنا لغير ما بأس قعدنا نتذاكر ونتحدث.
قال: "إما لا فأدوا حقها غض البصر ورد السلام وحسن الكلام"(9).
وأخرج مسلم في صحيحه أيضًا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كتب على ابن آدم(10) نصيبه من الزنا(11) مدرك(12) ذلك لا محالة(13) فالعينان زناهما النظر(14) والأذنان زناهما الاستماع(15) واللسان زناه الكلام(16) واليد زناها البطش(17) والرجل زناها الخُطا(18) والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه"(19).
ونحوها من الأدلة التي تدل على حفظ البصر وعدم صرفه إلى ما حرم الله، وبالله التوفيق.
([1]) يكفوا وينقصوا من النظر ويطبقوا جفونهم على أعينهم عمالا يحل.
([2]) أطيب و أطهر وأنمى.
([3]) سورة النور، الآية (30).
([4]) حاجة و شيئًا ينتفع به ويستمتع به.
([5]) سورة الأحزاب، الآية (53).
([6]) امتنعتم.
([7]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب المظالم، باب أفنية الدور والجلوس فيها والجلوس على الصعدات (2/870 رقم 2333)]، ومسلم في صحيحه [كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن الجلوس في الطرقات وإعطاء الطريق حقه (3/1675 رقم 2121)] كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري.
([8]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الديات، من اطلع في بيت قوم ففقؤا عينه فلا دية له (6/2530 رقم 6505)]، ومسلم في صحيحه [كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره (3/1698 رقم 2156)] كلاهما من حديث سهل بن سعد الأنصاري.
([9]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب السلام، باب من حق الجلوس على الطريق رد السلام (4/1703 رقم 2161)] من حديث أبي طلحة.
([10]) أي قضى عليه وأثبت في اللوح المحفوظ وقيل خلق له إرادة وعدة من الحواس وغيرها والأول هو المناسب لمعاني هذا الباب.
([11]) من بيانية، وما يتصل بها حال من حظه، وضعف بعضهم كونها تبعيضية، والمراد من الحظ: مقدمات الزنا من التمني والتخطي لأجله والتكلم فيه طلبًا أو حكاية أو استماعًا ونحوها والنظر واللمس والتخلي، وقيل أثبت فيه سببه وهو الشهوة والميل إلى النساء وخلق فيه العينين والأذنين والقلب والفرج وهي التي تجد لذة الزنا أو المعنى قدر في الأزل أن يجري عليه الزنا في الجملة، وقيل منهم من يكون زناه حقيقيًا بإدخال الفرج في الفرج الحرام، وهو تعالى برحمته وفضله يعصم من يشاء.
([12]) أصاب ابن آدم ووجد ذلك أي ما كتبه الله وقدره وقضاه أو حظه.
([13]) بفتح الميم وتضم أي لا بد له ولافراق ولا احتيال منه فهو واقع البتّة إذ لا حذر من القدر ولا قضاء مع القضاء.
([14]) على قصد الشهوة فيما لا يحل له وهو حظهما ولذتهما وقد ورد النظر سهم مسموم من سهام إبليس لأن النظر قد يجر إلى الزنا فتسمية مقدمة الزنا بالزنا مبالغة أو إطلاق للمسبب على السبب.
([15]) ككلام الزانية أو الواسطة أو صوت الأجنبية بشرط الشهوة.
([16]) التكلم على وجه الحرمة كالكلام مع الأجنبية بالمواعدة على الزنا أو مع من يتوسل به إليها على وجه الحرام ويدخل فيه إنشاء الشعر وإنشاده فيها.
([17]) الأخذ واللمس، ويدخل فيها الكتابة إليها ورمي الحصاة إليها ونحوهما.
([18]) بضم المعجمة، جمع خطوة، وهي ما بين القدمين، يعني زناهما نقل الخطى، أي المشي أو الركوب إلى ما فيه الزنا.
([19]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره (4/3046 رقم 2657)] من حديث أبي هريرة.