الأربعاء 24 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 10 يونيو 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 6350

هل ثبت حديث بلفظ: لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جار، وحكم كتابته على قنينة الماء، وكتابة اسم الرسول؟
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س 695: شيخنا أبا محمد -حفظكم الله-: لقد انتشرت هذه الأيام صورة لقنينة ماءٍ تعود لشركة أسترالية، أرفقوا معها ملصقاً وضعوا فيه ترجمة حديث (لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جار) وكتبوا أسفله: النبي محمد، وانتشرت الصورة في المنتديات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وكثير من الشباب يثني على هذه الشركة، ويدعو المسلمين للتأسي بهم في هذا الفعل، فهل هذا الحديث صحيح، وهل مثل هذا الفعل جائز، وما نصيحتكم للشباب جراء ما يُنشر قبل نشره، وجزاكم الله خيراً.

ج 695: سبحان الله، قبل كل شيء أرجو من إخواني أن ينتبهوا لمسألة غفل عنها كثير من الناس وهي: أن يتأكدوا هل هناك بالفعل شركة أجنبية في أستراليا أو غيرها صنعت هذا الصنيع، أو أن هذا مجرد إشاعة لإشغال أمة الإسلام، ليقرر صاحب الإشاعة بعض التقارير منها أن الكفار خير من المسلمين في الاقتصاد وعدم الإسراف ونحوها من الأمور، ومنها أن يحدث بمثل هذه الإشاعة الاختلافُ بين المسلمين، لينقسموا فيما بينهم، ومنها إشغال المسلمين ببعض الأمور التي يقصِد منها أصحابُها الإضرار بالمسلمين بأي طريقة كانت.

 وقد يقول لي قائل: ما الذي دفعك أن تقول مثل هذا الكلام؟

الجواب: لقد سافرت دولاً عدة، والتقيت وجاورت يهوداً، ونصارى، وعلمانيين، وماسونيين، وعبدة شياطين، وهَلُمَّ جرّاً ممن التقيت بهم، وكانوا يقررون بعض الأمور من خلال ما وقفوا عليه من الشائعات، يريدون من خلالها أن يقولوا: إن المسلم مجرد وعاء، يُستخَفُّ به ويصدق كل ما قيل له دون أن يتثبت.

ثم دلل لي أحدُهم ذلك بأمور نشرها بعض المغرضين، وضيعوا من خلالها أوقات الشباب بواسطة شخصيات إسلامية عميلة ومدسوسة، لكن ليس كل أحد يتكلم بما نحن بصدده، بل بعضهم ينشرها بأنها حقائق، وآخرون من العقلانيين والمتعلمين الكافرين يضحكون ويقولون: كيف تصدقون ذلك وتنشرونه على مستوى الإعلام بينكم ثم تقررونه دينياً؟

وقد ضرب لي بعضهم أمثلة، ومنها:

المثال الأول: أنه انتشر في الإنترنت تحذير المسلمين من كيد الكفار وأنهم عملوا باراً للخمر في أمريكا على هيئة الكعبة، وأنه سيكون اسمه "تفاحة مكة" ثم تناقل الشباب هذه الصور في الإنترنت وعبر وسائل كثيرة، وهذه الصورة في الأصل مدبلجة وهي لشركة "آبل"(Apple) المشغلة لأنظمة "الماكنتوش" بأمريكا، اللهم أن المغرض أعطاها صبغة سوداء، فشابهت بناية الكعبة، لذا لا يوجد لهذه الإشاعة أي حقيقة في الواقع.

المثال الثاني: شجرة في ألمانيا وصلتني عبر جوالي عدة مرات وعبر الإيميل، وكذا تفاحة وهلم جراً، يقولون: إن فيها لفظ الجلالة، وفي بعضها "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، كل ذلك اكتشفه الكفار فأسلم ألوف منهم لما رأوا ذلك، وبعضهم نشرها وقال: أفلا يسلمون.

وقال أحدهم: يا مسلمون، أعطوني عنوان مكان هذه الأشياء حتى أصدقكم، وأنا -شخصياً- لم أجبه بعنوانٍ وقلت: هي أقاويل علمها لا ينفع، وجهلها لا يضر، فالآيات الكونية أعظم من ذلك بكثير، ولم يصدق عامة المسلمين مثل هذه الأمور حتى يتثبتوا منها، وإن وجد من نشرها فهؤلاء إما على جهل، وإما على حسن نية، ومثل ذلك لا تسلم منها الشعوب الأخرى غير المسلمة، ولا يعني أنه لا يكون لفظ الجلالة في تفاحة أو شجرة، بل قد يكون.

المثال الثالث: قام أحد الصوفيين أو العلمانيين بنشر صورة يقال إنها صورة قبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الداخل، والأصل أن هذه الصورة لقبرِ صوفيٍّ مخرِّفٍ من العجم، يدعى "جلال الدين الرومي" مؤسس الفرقة المولوية.

لذا فعليكم أن تتثبتوا قبل كل شيء، ولا يلعب بكم الأعداء، ويضيعوا أوقاتكم في الإشاعات الباطلة؛ بغرض النيل منكم ومن جمعكم.

ولذا أقول: لو صح أن شركة في أستراليا عملت مثل ذلك، فنحن نسأل: ما هو مقصدها من هذا الفعل؟ هل هو من أجل الدين، أو من أجل مقصد دنيوي تجاري، أو مغزى آخر وراءه أيادٍ خفية؟!

فلا تشغلوا أنفسكم فيما لا فائدة منه، وصححوا وضعكم مع الله وسلوه العافية، ثم هل يشرفكم أنهم فعلوا ذلك استناداً لهذا الحديث الذي لم يقله النبي -صلى الله عليه وسلم-؟

بل إن في ذلك استهانةً بنبيكم -صلى الله عليه وسلم- لو ثبت أنه حديث، لأن نهاية هذه القنينة بعد شرب الماء هو رميها في براميل القمامة والزبالة، أوَيشرفكم بعد هذا المآل كتابة اسم الرسول -صلى الله عليه وسلم- على مثل هذه القنينة، ثم يُستهان بها وتُرمى في الزبالة؟!

ثم إني لأتحدى مَن يثبت لي أن هناك حديثاً بمثل هذا اللفظ أو بمعنى السياق، ولو حديثاً ضعيفاً، هذا الحديث كذب، فهل يشرفكم الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صح أنهم فعلوه؟!

والحقيقة أنه لا يوجد حديث بهذا اللفظ أو بمعنى السياق، وإنما الذي ورد هو ما أخرجه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرَّ بسعْدٍ وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف يا سعد؟

فقال سعد: أفي الوضوء إسراف؟ قال: "نعم، وإن كنت على نهرٍ جارٍ"([1]).

وله ألفاظ ليس منها لفظ بالسياق المذكور في السؤال أو معنى السياق.

ثم إن الحديث معلٌّ بحُيَيّ بن عبد الله المعافري، وعبد الله بن لهيعة، وكلاهما ضعيف.

أما قول السائل: إن بعض الشباب في المنتديات وعلى صفحات الفيسبوك يثني على الشركة، ويدعو المسلمين للتأسي بهم، فهذه والله طامة؛ لأن الثناء على الشركة ثناء على الفاعل والآمر لفعل هذا الملصق وهو كافر، وهذا نوعٌ من موالاتهم والعياذ بالله، والله -عز وجل- لم يأمرنا بمدحهم حتى وإن كان خيراً، بل أمرنا ببغضهم؛ لأن النظرَ لمعتقده ودينه لا لفعله الذي لا يبتغي به وجه الله، ولو ابتغاه لما قبل منه؛ لأنه كافر.

قال الله تعالى: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ*وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"([2]).

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره من أهل العلم، أن مديح الكافرين من المولاة.

فانتبهوا يا شباب الإسلام، واحذروا من هذه الدسائس والإشاعات، وأكرر: أنا شخصياً لا أُكَذِّبُ هذا الصنيعَ، ولا أصدقه؛ حتى أعرف هذه الشركة ومقرّها، ونطلب من شاب في أستراليا أن يبعث لنا قنينة ماءٍ للتيقن إن وجدت هذه الشركة حتى نصدق على يقين، وفي حال ثبوت الخبر فيكون عليه المؤاخذات السابقة التي تقدم ذكرها، وأن مثل هذا يضر المسلمين، ويسيء لرسولهم الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وبالله التوفيق.


[1] أخرجه أحمد في "مسنده" [مسند عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- رقم (7066)]، وابن ماجه في "سننه" [كتاب الطهارة وسننها - باب مَا جَاءَ فِي الْقَصْدِ فِي الْوُضُوءِ، وَكَرَاهَةِ التَّعَدِّي فِيهِ (1/356 رقم425)]، والبيهقي في "شعبه" [الباب العشرون الطهارات - فضل الوضوء - وفي ذلك تنبيه على فضل الغسل لأنه أكمل (4/286، 287 رقم 2533).] من حديث عبد الله بن عمرو –رضي الله عنهما-.

[2] سورة المائدة: الآيات (55،56،57).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام