جواز التقليد للعوام ومن لم يتمكن من معرفة الأدلة
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 633: هل يصح القول بأن التقليد لا ينفع في باب العقائد، وأنه يلزم معرفة المسائل بأدلتها، أليس فيه شيء من الحرج على العوام؟ فقد قال النجدي في الأصول الثلاثة: اعلم - رحمك الله - أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل" - وذكر منها -رحمه الله –" ومعرفة دين الإسلام بالأدلة".
ج 633: لا شك أن عامة الناس لا يستطيعون الوقوف على مسائل العقيدة أو فروع الشريعة بأدلتها، وأنه يلزمهم تقليد من يثقون في علمه وديانته، ولا يخفى أن كثيرًا من طلاب العلم المبتدئين يجهل بعض الأدلة فضلًا عن العوام، فيضطر لتقليد شيخه في مثل هذه المسائل وغيرها، حتى يستبين له الدليل.
وإنما يحرم التقليد على من يعرف الدليل وكيفية الاستدلال، وهذا يصعب على العوام، وقد قال ابن قدامة - رحمه الله - في كتابه (تحريم النظر في كتب الكلام): "الإجماع منعقد على أن العامة لا يكلفون الاجتهاد في أحكامهم، وأن لهم تقليد العلماء في أمورهم، وكذلك أمرهم الله تعالى بسؤال علمائهم فقال "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" اهـ (1).
فالله لم يقل هذه الآية وهي قوله تعالى: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"(2) إلا ليرشد الأمة إلى تقليد علمائهم في المسائل التي يجهلونها أو يجهلون أدلتها، ثم لو كانوا يعلمون الأدلة لما احتاجوا إلى السؤال.
ولا يعني ذلك أننا نتبع العلماء من دون الله، ولكن نتبع ما استدل به العلماء من أدلة الشرع، فالاتباع لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم ليس غير-، والعالم مجردُ تبصيرٍ لنا في اتباع الحق بدليله الشرعي، سواء كان ذلك في أصول الشريعة أو فروعها.
وأما قول النجدي في الأصول الثلاثة: " اعلم - رحمك الله - أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل" وذكر منها - رحمه الله - "ومعرفة دين الإسلام بالأدلة" فلا نجد له عذراً في ما قال، وظاهره أنه خطأ إلا أن يكون قصده مخاطبة طلبة العلم باعتبار تخصصهم؛ إذ يصعب على العوام معرفة دين الإسلام بأدلته؛ لأنها كثيرة لا تحصى، وطالب العلم قد يعجز أحيانًا عن معرفة بعض الأدلة، إما لأنه لم يطلع عليها، وإما لأنه نسيها، وإما لأن علمه تخصصٌ في شيء من أمور الإسلام.
وقد كان يقول شيخنا أحمد النجمي - رحمه الله - عند هذا القول: "هذا يلزم طلبة العلم، أما العوام فإنه يجوز أن يعلم أن هذا مباح وهذا محرم وهذا واجب ولو لم يعرف الأدلة" اهـ.
وكنا ننكر ذلك ونقول: يلزم إذا أحاط بجملتها، ولا يكون كذلك حتى يكون من حذاق الطلاب. فلتنتبهوا لذلك، وبالله التوفيق.
ــــــــ
([1]) تحريم النظر في كتب الكلام، لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله بن حذيفة. دار عالم الكتب – الرياض. الطبعة الأولى، 1990م، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد سعيد دمشقية (ص49).
([2]) سورة النحل، آية رقم (43).