حكم من عرضت نفسها على رجل ليتزوجها إن كان على دين وخلق
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 670: أنا طالبة في السنة الأولى ماستر تخصص حسابات وتسيير، عندي ابن خالي طالب علم، وهو حافظ لكتاب الله تعالى، وعلى خلق وحياء عظيم، يكبرني بتسع سنوات، ورأيت فيه مثلما تمنيت أن يكون في زوجي، فعرضت عليه نفسي للزواج، ما قول الشرع في هذا الأمر، بارك الله فيكم؟
ج 670: أنا لا أشجع على مثل ذلك، وخاصةً فتاةً في سنك أن تُعرض نفسها على قريب لها، وأقاربها بين ظهرانيها دفعاً لخطوات الشيطان ومداخله، وفي حال رغبتك فيه، فينبغي طرح هذه الرغبة على من يحفظ سرك كالأم أو الخالة أو العمة تصريحاً أو تلويحاً دون أن يُشْعِروا الشاب أنك أنت الذي طلبتِ؛ ليعرف لكِ قدرك مستقبلاً، وحتى لا يدخل الشيطان في قلبه ويلبس عليه ويقول له: لعلها عرضت نفسها قبلك على شباب فلم يقبلوا بها فلم تجد أمامها سواك، لذا ينبغي إغلاق هذا الباب وخاصة في زماننا هذا الذي كثرت فيه الفتن.
وقد ورد عن بنات الرجل الصالح التلويح والإشارة لمثل ذلك بنحو ما ذكرته سابقا؛ فإن الفتاة عندما رغبت بموسى - عليه السلام - لم تعرض نفسها عليه وإنما قالت لأبيها: "يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ"([1]) وقد فهم الأب الصالح رغبة البنت، فقال لموسى: "إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ"([2])، وعليه فأتوا البيوت من أبوابها، واحذروا مواطن الفتن وخطوات الشيطان.
نعم، قد ورد في السنة شيء يفيد جواز ذلك، ولكن في زمن غيرِ زماننا، والناس غيرُ الناس من حيث الايمانُ والتقوى ومراقبةُ الله في السر والنجوى.
ففي صحيح البخاري عن ثابت البناني قال: كنتُ عند أنس بن مالك - رضي الله عنه - وعنده ابنة له، قال أنس: جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تَعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقلَّ حياءها، واسوأتاه، واسوأتاه([3])، فقال أنس: هي خير منكِ، رغبت في النبي - صلى الله عليه وسلم - فعرضتْ عليه نفسَها([4]).
وقد بوَّب له البخاري في صحيحه بابا سماه "باب عرْض المرأة نفسَها على الرجل الصالح"([5])
فهذه العارضة صحابية والمعروض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد تجاوز الخمسين من عمره قطعاً، كما أن الوقت وقت النبوة والخير والصلاح.
ثم إنه قد كثر في زماننا نشَاطُ شياطين الجن الذين يزينون للفتاة أن تتواصل في عرضها مع الشخص من خلال الإيميل أو الجوال أو الواتس ونحوها من الوسائل، فيحصل تدنيس للحياء، وخدش للمروءة، وبكثرة التواصل قد يعرض عليها اللقاء أو الجلوس في خلوة، وكم سمعنا من هذه القصص الموجعة التي يندى لها الجبين، ونهاية المطاف أن تخسر الفتاة كل شيء إلا ما رحم ربي.
وللعلماء في القديم والحديث كلام طويل في ذلك يصعب التحدث به في هذه العجالة، وأختصر وأقول:
إن المرأة المسلمة جوهرة ثمينة يبحث عنها غيرها، وليست هي التي تبحث عنه، لكن لو فرضنا أن هناك عالماً كبيرًا في السن وقامت فتاة بعرض نفسها عليه لكونه عالماً صالحًا وكبيرًا عاقلًا، وأمنت على نفسها وعليه الفتنة فلا يُنكر، لاختلاف الأمرين في العرض بين شاب وفتاة يُخشى عليهما الفتنة.
وكذلك لو أن أختاً جديدةً على الإسلام عرضت نفسها خوفاً من أهلها الكفرة، وطلباً للجوء إلى مسلم يعرف حقها ويصونها فلا بأس في ذلك، بل ونشجع عليه؛ لأن به دفعاً لمفاسد عظيمة.
أما كحالك أيتها الفتاة فلا ينبغي أن تباشري ذلك بنفسك دفعاً للفتنة، وبالله التوفيق.
[1] سورة القصص: (26).
[2] سورة القصص: (27).
[3] أصل السوأة [وهي بفتح المهملة وسكون الواو بعدها همزة] الفعلة القبيحة، والألف للندبة والهاء للسكت.
[4] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب الأدب - باب ما لا يستحيا من الحق للتفقه في الدين (5/ 2269 رقم 5772)].
[5] محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، صحيح البخاري، دار ابن كثير، اليمامة – بيروت. الطبعة الثالثة، 1407 - 1987تحقيق: د. مصطفى ديب البغا (5/ 1967)