متى ستتحرر فلسطين، وحكم من قال: لن تحرر إلا وقت ظهور العلامات الكبرى
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 674: شيخنا أفتوني في أمري: لو أن أحداً قال: إن فلسطين لن تتحرر إلا عندما تظهر علاماتُ يوم القيامةِ الكبرى، ورد عليه آخر قائلاً: لو كررت هذه الكلمة مرةً ثانية أنا سأشتمك..، والسؤال: هل فعلا أنك تكون شتمته، ولا يصح أن أقول له مثل هذا الكلام؟، وبارك الله فيكم.
ج 674: هذا السؤال يتكون من شقين:
الأول: هل فعلاً لن تتحرر القدس أو فلسطين إلا وقت ظهور العلامات الكبرى؟
والثاني: هل قولك: لو قلت كذا أنا سأشتمك، تكون قد شتمته؟
فأما الأول: فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهودَ، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله: هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد([1]) فإنه من شجر اليهود"([2]).
وهذا الحديث دليل على مقاتلة اليهود، ودليل على أن المسلمين سينتصرون عليهم فلا تبقى لهم قائمة، وهذا في زمن المهدي؛ لأدلة كثيرة يطول ذكرها، ومن ثَمَّ يحكم أهلُ الإسلام بلادَ المقدس، ولا يمنع من سقوط فلسطين في أيدي المسلمين في أي زمن قبل ظهور المهدي عليه السلام.
وفي حديث النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عند الإمام مسلم وغيره عن النبي -عليه السلام- حين ذكر الدجالَ، وذكر مكثه في الأرض ثم قال: "ينزل عيسى -عليه السلام- عند المنارة البيضاء بشرقي دمشق، فيدركه عند باب لُدٍ([3]) فيقتله"([4]).
وباب لد هو قرية من قرى فلسطين، ثم إذا قتله كانت المعركة بين المسلمين واليهود.
فهذان الحديثان يدلان على أن أرض فلسطين ستعود إلى حظيرة المسلمين، وأن تحريرها كلياً من يد اليهود لا يكون إلا بعد ظهور المسيح الدجال ونزول عيسى وقتله للدجال، وهذه كلها من علامات الساعة الكبرى.
وكما قلنا -والله أعلم- لا يمنع أن ينتصر المسلمون في حقبة من الزمن على اليهود، فيسترد اليهود بيت المقدس ثم يسقط من أيديهم مرةً أخرى بنزول عيسى وقتله المسيح الدجال.
لذا أرجو ألا يكون بُعدُ زمن عيسى مثبطاً للمسلمين اليوم لاسترداد فلسطين، وطرد اليهود ومقاتلتِهم.
ومما يؤسف له أن بعض المسلمين اليوم يرفعون أيديهم إلى السماء بالدعاء في أن يُعَجِّل الله بظهور المهدي ونزول عيسى فتواكلوا عن العمل، وحصلت عندهم مثبطات، وأن الإسلام لن ينتصر إلا في زمن المهدي ونزول عيسى، وهذا من الهراء، بل يجب عليك -أيها المسلم- أن تُعلّم الناسَ الدِّينَ، وتطلبَ العلم وتجاهد وتدافع عن الدين وبلاد المسلمين، ولا تقل: عليّ أن أنتظر حتى يظهر المهدي لأنضم لصفه، فلا مهداوية في هذا العصر أيها المثبطون، ولتكونوا يداً واحدة لنصرة الدين ومحاربة أعداء الله وطرد اليهود المغتصبين، ولا يكون ذلك إلا بالتفافكم حول علمائكم الأكابر، وطلب العلم الذي يرسم لكم خارطة الطريق من غير اعلان العداء لأوطانكم وحكامكم الذين هم في حاجة دعائكم ونصحكم لهم بالعلم والحلم بعيداً عن الثورات والانقلابات التي تدمر الأوطان وتفقر الشعوب وتجعلني لقمة سائغة للأعداء الذين لا هم لهم إلا إذلال دولنا الاسلامية وشعوبها والضغوط على حكامنا بسبب طيشان أصحاب الأفكار الضالة وقادة الانقلاب الحزبي.
أما الشق الثاني من السؤال: وهو هل قولك لأخيك المسلم: لو قلت كذا فسأشتمك يكون شتيمة؟ فالجواب: إنه لا ينبغي التهديد بمعصية، فالشتم أو السب معصية وفسق، وقد ثبت في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "سِباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر([5])"([6])، ولذا لو هدد المسلم بمعصية فعليه ألا ينفذها، وعليه التوبة والاستغفار، ولا يكون التهديد بمثل ذلك شتماً؛ لأنه مجرد تهديد، وبالله التوفيق.
[1] الغرقد: نوع من شجر الشوك معروف ببلاد بيت المقدس، وقال بعض العلماء: إذا عظمت العوسجة صارت غرقدة.
[2] أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء - (4/ 2239 رقم 2922)].
[3] بلدة قريبة من بيت المقدس.
[4] أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب ذكر الدجال وصفته وما معه، (4/2250 رقم 2937)]، وأبو داود في "سننه" [كتاب الملاحم - باب ذكر خروج الدجال (4/199رقم 4323)].
[5] السب في اللغة: الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه، والفسق في اللغة: الخروج، والمراد به في الشرع: الخروج عن الطاعة. وأما معنى الحديث: فإن سب المسلم بغير حق محرم، وهو بإجماع الأمة وفاعله فاسق، وقوله" وقتاله كفر" الظاهر من قتاله المقاتلة المعروفة، وقوله "كفر" أي كفر دون كفر، وذلك للرواية الصحيحة عن ابن عباس ومن تابعه من طلابه من التابعين في هذا اللفظ وكثير من نظائره، ومن العلماء من قال في كلمة "كفر" هنا: أي إن استحل قتاله فهو كافر.
[6] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب الإيمان - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (1/27 رقم 48)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب الإيمان - باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سباب المسلم فسوق.. (1/81 رقم 64)] كلاهما من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.