الأربعاء 3 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 20 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 812

فتوى للشيخ الدكتور صادق بن محمد البيضاني حول الخلاف الجاري بين مشايخ اليمن فتوى صدرت في ذي الحجة عام 1446



س 729: ما هو القول الفصل في حقيقة الخلاف بين طلبة الشيخ مقبل رحمه الله، وعلى وجه الخصوص الشيخ الحجوري والإمام وكذلك أبو الحسن؟ هل في هذا الخلاف أبعاد عقائدية، وما هي؟ أم هو ناتج عن ضعف التحقيق العلمي في المسائل مثالي الخلاف، أو أبعاد أخلاقية؟ أو أنه ناتج عن عمل استخباراتي للتفريق بينهم؟ وهل هم غافلون عن ذلك؟ ومن هو الظالم منهم؟ ومن هو المظلوم؟ وهل من سبيل للمّ الشمل، وما هو ذلك السبيل؟ وهل أولئك المشايخ على دراية بشراسة الخلاف بين طلابهم في مختلف المناطق، فلمَ لم ينصروا الحق فيها ولو ضد طلابهم، أم هم غافلون عن ذلك؟

ج 729: الخلاف سنة قديمة في الخليقة، كما قال الله عز وجل: "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم".
ولا يمكن لأي إنسان أن يقضي على الخلاف تمامًا إن وجد في المجتمعات الاسلامية، ولكنه قد يقلل منه، ويسد بابا من أبواب الخلاف، أو يخفف حدته.
والخلاف قد كان في الصحابة، كما في صحيح البخاري، حتى قال الأنصاري "يا للأنصار"، والمهاجري "يا للمهاجرين".
وأيضا وجد الخلاف في الأمم السابقة، ولا يسلم مجتمع من الخلاف.
وأحيانا نقول: صار الخلاف ليس عيبا، إنما العيب أننا لا نستطيع أن نتعامل مع المخالف.
وكما قال ابن مسعود، كما ثبت عنه عند بعض أهل السنن "الخلاف شر". وإذا كان شرا، فيجب على المسلم أن يدرأه ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
وليس هناك فصل في حقيقة الخلاف بين طلبة الشيخ مقبل الوادعي -رحمه الله- لأن الفصل معناه أن نعطي قولا واحدًا يوافق عليه جميع المختلفين، وهذا لا أقول بأنه بمحال، ولكن أقول بأنه يصعب وذلك بسبب شدة الخلاف الذي بينهم: وهناك سبب آخر أن هناك من العلماء من نصح وتدخل، وحاول أن يسد هذا الخلاف فما استطاع، وفي الجملة الخلاف قد يكون له حظ من النفس عند بعضهم وبعضهم قد يكون عنده سوء فهم لبعض ما حصل من الطرف المخالف وأحيانا يكون من خلاف الأقران، لكن هذه اللتي أذكرها ليست كلها في سلة واحد، أو في جميع المسائل، وإنما يختلف الأمر من مسألة إلى أخرى، وقد كنا عند الشيخ مقبل أيام الطلب، وحاولنا سدّ ما حصل من الخلاف بين الطلاب قبل أن يختلف هؤلاء المشايخ الثلاثة الذين ذكرهم السائل؛ لأن اختلاف هؤلاء الثلاثة إنما كان بعد وفاة الشيخ مقبل الوادعي -رحمه الله- فهناك من يتدخل ويتعصب لهؤلاء المشايخ، ويزيد الطين بلة للأسف.

هؤلاء المشايخ على خير الشيخ الحجوري والشيخ الإمام، وكذلك الشيخ أبو الحسن. أبو الحسن، صحيح نحن اختلفنا معه كثيرًا منذ خمس عشرة سنة، بل منذ أكثر من عشرين سنة، في مسائل كثيرة، ولا زلنا مختلفين معه إلى الآن فيها. هو يقول بأن له وجهة نظر وأحيانا لا يعترف ببعض الأخطاء وبعضها يقول بأن له مسوغاً. ولم يسلم أيضًا كذلك الشيخ الحجوري من بعض الأخطاء وكذلك الشيخ الإمام؛ وهكذا عامة أهل العلم لا يسلمون من الأخطاء.

من ذا الذي ما ساء قط .. ومن له الحسنى فقط؟
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها .. كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

نحن بشر نصيب، ونخطئ ولكن على المسلم أن يراجع نفسه، فالدنيا قليلة والآخرة خير وأبقى. بعض المشايخ يكون عنده حدة وشدة وقسوة، ويجعل ذلك من الغَيْرَة على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- لكن عليه أن ينظر إلى أخلاق النبي -عليه الصلاة والسلام- وإلى لينه ورحمته للناس، وأن يأخذ من أخلاقه ومن لينه؛ لأن الله -عز وجل- يقول: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" وفي الحديث الصحيح: "ما كان الرفق في شيء إلّا زانه، وما نُزع من شيء إلّا شانه".

الشيخ محمد بن عبد الله الإمام خطّأه بعض المشايخ حينما كتب وثيقة الصلح بينه وبين بعض الحوثية، وقد وفُق الإمام -حفظه الله- لهذا الصلح، وسَلَّم إخوانه من الدماء، وسَلَّم دار الحديث في معبر من الإغلاق، أو من تفجيره من هؤلاء الحوثة عليهم لعنة الله، فقد سبق أن فجروا بعض المراكز، والإمام عندما عمل هذا الصلح لا يعني أنه خضع لهم، ولا يعني أنه تنازل عن الدين، وإنما وضع معهم صلحًا سلامة لإراقة الدماء، ومن باب القاعدة المتفق عليها وهي درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقد فرحت فرحا شديدا عندما كتب هذا الصلح، أو كتب معه الحوثة هذا الصلح، وقد صالح النبي -عليه الصلاة والسلام- وكتب العهود والمواثيق، منها صلح الحديبية مع المشركين، وكذلك منها مع اليهود في المدينة، ومع كثير من القبائل العربية التي كانت ضد النبي -صلى الله عليه وسلم-,

فهؤلاء المشايخ على خير، والشيخ الإمام عندما اجتهد كان الواجب على الذي يختلف معه إن لم يوافقه أن يقول: "اجتهد وأنا أرى أنه أخطأ" وأما أن يُبدع، او أن يُضلل، او أن يُحذر منه، ويتعصب الطلاب ضده وضد طلابه، وتحصل الفتنة، فهذا الأمر ما أنزل الله به من سلطان وما هو لنا بدين أبدًا، بل هو دخيلة على الدين هذا التعصب الذي هو يفسد ذات البين، وأهل السنة وللأسف متفرقون جدا في اليمن، ويجب على المشايخ أن يتقوا الله -سبحانه وتعالى- وأن ينتبهوا لذلك.

يقول: "وهل في هذا الخلاف أبعاد عقائدية وما هي؟"
لا توجد هناك أبعاد عقائدية هو اختلاف في مسائل منهجية أو مسائل اجتهادية معاصرة وبسببها حصل ما حصل، وكثير منه سوء أفهام كما تكلمنا سابقا، وأيضا بعض الطلاب وبعض الناس ينقلون إلى بعض المشايخ، فيصدق بعض المشايخ، ولا نقول بأن من صدق كان إمعة وفتح أذنه للناس، لَا، وإنما هو بشر قد يصدق ويبني على ذلك حكما من حيث لا يشعر، وهذا لاحظناه في كثير من مشايخنا سواء في نجد، أو في الحجاز، أو في اليمن، أو في الشام، وفي كثير من البلدان حتى في الهند، لما كنت طالبا في الهند، فبعض النقولات تفسد، فإذا أنا أقول حدثني الثقة وطالبي فلان عندي ثقة، ثم ينقل لي كلامًا، فأصدقه وأقول هذا ثقة. هذا من الخطأ؛ لأن الله -عز وجل- قال: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين". هذه الآية ما نزلت إلّا في صحابي، فينبغي للناس أن ينتبهوا.

قال: "أم هو ناتج عن ضعف التحقيق العلمي في المسائل مثالي الخلاف؟".
هم على خير إن شاء الله، وبإذن الله -تعالى- يرجعون إلى ما هو صواب.

قال: "أم هي أبعاد أخلاقية؟".
أخلاقهم جميعا على خير بارك الله فيك، وإنما هي أساليب.

قال: "أم أنه ناتج عن عمل استخباري للتفريق بينهم وهل هم غافلون عن ذلك؟".
لا يوجد هناك عمل استخباري، وهذا خلاف، والذي جرى بينهم كل يستدل بما يراه مناسبًا، وإن كنت أر شخصيًا خطأ في بعض استدلالات البعض.

قال: "ومن هو الظالم منهم؟ ومن هو المظلوم؟".
هم اجتهدوا بارك الله فيك واختلفوا.

قال: "وهل من سبيل للمّ الشمل وما هو ذلك السبيل؟".
السبيل أن يراجع الجميع "أنفسهم" ماذا استفادوا من هذا الخلاف؟ وماذا نتج عن هذا الخلاف؟ وكيف كانوا قبل الخلاف وكيف صاروا بعد الخلاف، فإذا راجع الواحد نفسه، وتأمل في واقعه قبل وبعد فإنه سيخرج إلى نتيجة.
بهذه النتيجة يصلح ما كان من خطأ.

قال: "وهل اولئك المشايخ على دراية بشراسة الخلاف بين طلابهم في مختلف المناطق؟ فلم لم ينصروا الحق فيها، ولو ضد طلابهم؟ أم هم غافلون؟".
بل يعلم المشايخ أن طلابهم يتعصبون لهم، وقد رأيت هذا بعيني -للأسف- الخلاف قد لا يكون عيبا فالصحابة اختلفوا والسلف اختلفوا وحصل بينهم الكثير، ذكر الذهبي -رحمه الله- في سير أعلام النبلاء، يقول: "قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي. ناظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال "يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانا، وإن لم نتفق في مسألة؟"
فعلى المشايخ، جزاهم الله خيرا، أن يراجعوا أنفسهم بهذه الخلافات التي حصلت. وأنا حقيقة تناقشت مع هؤلاء جميعا في مسائل كثيرة حول هذا الخلاف الجاري، وحصل ما حصل من النقاشات، ولكن دون جدوى. وأنا لا أتكلم عن الشيخ الإمام، لأنه لم يسبق لي أنني تكلمت معه في هذه المسائل التي أثيرت بمثل ما تكلمت مع الشيخ أبي الحسن والشيخ الحجوري. ونسأل الله -عز وجل- أن يصلح الجميع، وأن يهدي الجميع أن ينظروا إلى حال الخلاف اليوم، كيف صار طلابهم؟ وكيف صار المجتمع؟ وكنا في زمن الشيخ رحمه الله، الشيخ مقبل، يدًا واحدة. وبعد ذلك حصل هذا الخلاف.

وأنا بحمد الله، منذ بدأ هذا الخلاف، وأنا أحاول أن أكون مصلحًا، مع أن كثيرًا منهم ينتقدني، مرة يقول: أنت مع هذا، والآخر يقول: أنت مع هذا. وأنا لست مع أحد سوى الحق. فأسأل الله أن أكون كذلك حتى ألقاه، وبالله التوفيق.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام