الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 779

إسرائيل الكبرى بين الوهم السياسي وسنن التاريخ

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


تصريح نتنياهو أمس بتاريخ 13 أغسطس 2025م يكشف حقيقة الأطماع القديمة، حيث قال رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو لوسائل إعلام محلية إنه يشعر بأنه في مهمة تاريخية وروحية، وأنه متمسك جدا برؤية إسرائيل الكبرى.

هذه العبارة ليست شعارا سياسيا، بل هي خلاصة مشروع استيطاني استعماري، ضارب الجذور في الفكر التوراتي المحرف، ومرتبط ارتباطا وثيقا بحركة الصهيونية العالمية منذ نشأتها.

مصطلح إسرائيل الكبرى لم يظهر فجأة، بل ارتفعت راياته بعد حرب الأيام الستة في يونيو 1967م، حين احتل الصهاينة أراض عربية واسعة: القدس الشرقية، الضفة الغربية، قطاع غزة، شبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان.

ومنذ ذلك اليوم، صار هذا المفهوم عقيدة سياسية ودينية مزعومة، تسعى لتكريس الاحتلال باعتباره قدرا مقدسا.

واليوم، بعد أكثر من نصف قرن، نشهد في غزة واحدة من أفظع صور هذا المشروع، حيث تتعرض المدينة وأهلها لحصار خانق وقصف متواصل لا يفرق بين طفل وشيخ، ولا بين مستشفى ومسجد.

البيوت تهدم فوق ساكنيها، والجرحى يتركون ينزفون، والمآذن تصمت تحت ركامها.

وفي كل ذلك، يخرج قادة الاحتلال ليبرروا جرائمهم بأنها حق دفاعي، بينما هي في حقيقتها فصل جديد من سياسة الإبادة الممنهجة.

غزة اليوم ليست جغرافيا محاصرة، بل شاهد حي على زيف ادعاءات الحرية وحقوق الإنسان في هذا العالم.

وكل قطرة دم فيها تصرخ أن إسرائيل الكبرى المزعومة ليست إلا وهما دمويا سيتحطم على صخرة صمود أهلها.

لكن التاريخ قبل السياسة يروي أن الأمم الظالمة مهما انتفشت، ومهما ادعت الخلود، فإن لها يوما تزول فيه قوتها.

قال الله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس).

وليس أبعد عنا من مثال الروم والفرس، وكيف انقلبت الموازين حين أراد الله.

إن هذا المشروع الصهيوني يلبس لبوس الدين المحرف، لكنه في حقيقته استعمار إحلالي قائم على الإبادة والتهجير، وهو الوجه الحديث لمشاريع الاحتلال الغربي في منطقتنا.

وليس غريبا أن يصفه القرآن بأنه إفساد في الأرض، قال الله تعالى عن بني إسرائيل:

(وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا).

وقد رأينا الفساد بأعيننا: قتل الأبرياء، حصار المدن، تدنيس المقدسات.

لكن ما يغيب عن نتنياهو ومن على شاكلته، أن الله تكفل بكسر جبروت الباطل إذا تمادى، وأن الظلم يحمل في داخله بذور فنائه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:

(إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم تلا قوله تعالى: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد).

والحقيقة أن مشروع إسرائيل الكبرى ليس في جغرافيا الأرض بقدر ما هو في عقول ساستهم الذين يتوهمون أنهم قادرون على كسر إرادة الشعوب إلى الأبد.

لكن الله وعد وعدا لا يتبدل، أن نهاية الطغيان حتمية، وأن الأقصى سيعود حرا، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، قال تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون).

إنها ليست معركة حدود، بل معركة دين وهوية ووجود، بين مشروع إيماني رباني يحمل رسالة العدل، ومشروع استعماري عنصري قائم على الإقصاء.

والعاقبة، كما قال ربنا، ليست لهؤلاء الطغاة، بل: (والعاقبة للمتقين).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام