الإثنين 10 شوال 1441 هـ || الموافق 1 يونيو 2020 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 634

تعقيب على مقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق الذي بعنوان: "هذا ما فعله الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في نفسه ومن اتبعه".

(ضمن سلسلة مقالات متنوعة)
الحلقة (22)
بقلم الدكتور : صادق بن محمد البيضاني

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد وقفت على مقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق الذي ذكرته في عنوان هذا المقال، والذي نشره يوم الخميس بتاريخ 2 ذي الحجة عام 1438هـ، وقد وصل عبر مجموعة من طلبة العلم بالكويت والسعودية، وانتشر سريعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى وصلني عبر الواتس اب السعودي والبحريني معاً، ورأيت أن أعقب على بعض المسائل التي أرى من الانصاف ذكرها وفقاً لواقعها، ولا يُعد تعقيبي هذا رداً لكل ما ورد في المقال، ولا دفاعاً عن الشيخ ربيع المدخلي، وإنما دفاعاً عن المنهج الشرعي الذين أدين الله به، ومن باب إنصاف بعض العبارات وفقاً للمنهج المطهر، ووفقاً للواقع الذي عشناه منذ بادية الخلاف عام 1989م حتى هذه الساعة، فأقول وبالله التوفيق :

أولاً يقول الشيخ عبد الرحمن: " فإن الشيخ ربيع بن هادي المدخلي وضع أصولاً في الدين فرق بها جماعة المسلمين، ...، ومن هذه الأصول أن كل من وقع في بدعة فهو مبتدع"اهـ.

قلت: حسب علمي ومعرفتي بالشيخ ربيع فإنه لا يقول بهذه القاعدة، وقد سبق أن ناقشته وجلست معه مرات لكنه يقول: " من وقع في بدعة إن كانت ظاهرة واضحة كالقول بخلق القرآن، أو دعاء غير الله أو الذبح لغير الله أو شيء من هذه الأمور الواضحة فهذا يبدّع بالبدعة الواحدة.

وإذا كانت البدعة من الأمور الخفية، ووقع فيها من يتحرى الحق خطأ منه فهذا لا يبدّع ابتداء، وإنما ينصح ويبين له خطؤه، وإذا أصر عليها يبدّع حينئذ" انتهى كلام الشيخ ربيع، وهو مسجل بصوته في شريط بعنوان: لقاء مع الشيخ ربيع في مسجد الخير.

ثانياً يقول الشيخ عبد الرحمن: " ... وأن من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع مثله"اهـ.

قلت: لا يقول الشيخ ربيع بهذه القاعدة مطلقاً بل ينكر اطلاقها، ويقول: " الإطلاق على من لم يبدِّع المبتدع فهو مبتدع فهذا ليس بصحيح، لأن هذا قد لا يكون يعرف هذا ببدعته، فلا يبدّعه تورعاً، فلماذا تُبدِّعه؟ أما إن كان يعرف المبتدع، ويحبه، ويواليه، فهذا مبتدع، فهذا هو الفصل في هذه القضية، يَعرف أن هذا مبتدع ويناصره ويحارب أهل السنة والجماعة هذا مبتدع، لاشك" هذا كلام الشيخ ربيع، نقلاً من كتابه عون الباري ببيان ما تضمنه شرح السنة للإمام البربهاري (2/891).

ورد الشيخ ربيع على الحداديين وبين أن القاعدة المذكورة قاعدة حدادية لا يقول بها، فقال: " تبديع من لا يبدع من وقع في بدعة وعداوته وحربه، ولا يكفي عندهم أن تقول: عند فلان أشعرية مثلاً أو أشعري، بل لابد أن تقول: مبتدع وإلا فالحرب والهجران والتبديع" كما في مقاله: "منهج الحدادية".

لكني أقول - وللأسف - إن بعض محبي الشيخ ربيع إذا لم توافقه أو توافق شيخه في تبديع فلان من المشايخ ضللك، وربما بدعك، وهذا مشاهد ملموس، وهؤلاء هم من شوه صورة الشيخ ربيع ومن حوله من طلبة العلم، وجعل الناس يحملون هذا المنهج على الشيخ ربيع مطلقاً، وقد أذي من بعضهم المشايخ أذىً لم يجدوه من أشد أعداء أهل السنة والجماعة كالصوفية والشيعة والعلمانية واللبرالية وغيرهم، كما شكاه لي احد المشايخ.

بل أحدهم إذا سمعك تقول " الشيخ فلان " على شخص نقده الشيخ ربيع، رد عليك وقال لك كيف تقول فيه شيخ وهو مبتدع أو بدعه الشيخ ربيع، وظن هذا المسكين أن لقب " شيخ " لا يجوز إطلاقه على مَن بدَّعه الشيخ ربيع أو كان من المبتدعة ممن عُرف بهذا اللقب كوصف شُهر به لدى قوم أو بلدة.

وكم سمعنا الشيخ ابن باز يقول الشيخ الدكتور حسن الترابي وهو يبدعه كما في محاضرة يوم الخميس في جامع الإمام تركي بالرياض، وهذا الشيخ عبد المحسن العباد يقول: " وأما الشيخ سيد قطب رحمه الله فهو من الكُتَّاب" قال ذلك من خلال فتوى صوتية بعد درس سنن النسائي في المسجد النبوي بتاريخ (٧/١١/١٤١٤)، وكم أطلق علماؤنا باليمن ونجد والحجاز ومنهم شيخنا مقبل الوادعي والشيخ ربيع على مشايخ تلبسوا ببدعة ظاهرة وقالوا عنهم أئمة وفضلاء كـ الإمام عبد الرزاق الصنعاني وابن حزم وابن عقيل وابن الجوزي وأبي شامة والقرطبي والنووي وابن حجر رحمهم الله.

ومهما يكن من شئ فإن هؤلاء الذين ذكرت أنفا محسوبون على الشيخ ربيع ومنه اخذوا وتربوا على اسلوبه وطريقته، ولزمه أن يوجههم ويمنعهم من تبديع المشايخ ومن الخوض في اعراض من يرى الشيخ ربيع أنهم خرجوا من السلفية، فإن العلماء قديما وحديثا وقعوا في بعض وقسا بعضهم على بعض لسبب او لآخر لكنهم لم يشجعوا طلابهم على ان يأخذوا بقولهم ولا ألزموهم بذلك.

ثالثاً يقول الشيخ عبد الرحمن: " وكذلك يلزم من أصل الشيخ ربيع بن هادي رفض كتب شُرّاح الحديث كالإمام النووي والإمام بن حجر وابن الملقن رحمهم الله، فإن هؤلاء ممن تلبسوا ببدعة التأويل والتصوف، ومن أجل ذلك قام بعض طلاب الشيخ ربيع بن هادي فأحرقوا نسخ فتح الباري تطبيقاً لهذا الأصل"اهـ

قلت: الشيخ ربيع ممن ينصح طلابه بشراء هذه الكتب وقراءتها، وهي من مصادر التلقي عند الشيخ ربيع وطلابه، لكنه ينصح طلابه والمسلمين عامة أن يحذروا ما ورد فيها من تأويل الصفات، ولا يُعرف عن طلاب الشيخ ربيع أنهم أحرقوا نسخ فتح الباري، ولعل الشيخ عبد الرحمن سمع من شخص ليس بثقة، أو حدثه شخص عن شخص حدادي فظن أنه سلفي من طلبة الشيخ ربيع، فالحداديون - وليسوا جميعاً - هم من يحذر من كتب من تلبس ببدعة التأويل.

ويؤكد ذلك الشيخ ربيع، ويقول من خلال فتوى له: " إن ابن حجر درس المنهج السلفي وعرفه ولم يستطع أن يصدع به، ولا شك أن عليه مسؤولية فيما سجله في كتابه "فتح الباري" من أمور وعقائد الأشاعرة، فالله يتولاه، لكن رجل ثقة، رجل خدم السنة، لا يستغني طلاب السنة عن كتبه الكثيرة، كتبه كلها في خدمة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، هفواته فقط ما كانت إلا في بعض المواضع من "فتح الباري"، وقد انتقدها السلفيون ومنهم الشيخ ابن باز، ومنهم الشيخ العباد، ومنهم الشيخ السعدي، حذروا وبينوا، ونحن ندرس في "فتح المجيد" وفي غيره نقد للنووي أيضا وبيان ما عنده من تأويلات، فنحن نقول أشعري، النووي عنده أشعرية لكنه خدم "صحيح مسلم" وخدم السنة وعلوم الحديث وألف فيها -بارك الله فيك- أشياء ما يستغني عنها أهل السنة، فهم ثقات عندنا، مثل ما أخذ سلفنا عن بعض من وقعوا في بدع، مثل قتادة وقع في القدر، ومثل سعيد ابن أبي عروبة كذلك، ومثل غيرهم ممن وقع في بدعة القدر أو بدعة الإرجاء أخذوا عنهم، لأنهم حملوا العلم وفيهم الثقة متوفرة، والصدق والعدالة موجودة فيهم، فأخذوا عنهم، فنحن نقول إن هؤلاء ثقات ونقلوا لنا علوم السلف فنستفيد من كتبهم وإذا سئلنا عن أخطائهم نقول نعم عندهم أشعريات موجودة في "فتح الباري" وموجودة في "شرح صحيح مسلم" أما سائر كتب ابن حجر فهي عبارة عن مكتبة، في الرجال ألف عددا من الكتب، وفي السنة ألف عددا من الكتب، "المطالب العالية" و"إتحاف المهرة" و"فتح الباري" و"مقدمة فتح الباري" وأشياء كثيرة كثيرة كثيرة، "تهذيب [تهذيب] الكمال"، "لسان الميزان"، كل حياته أفناها في خدمة السنة ووقع في هذه الأشياء، هذه الأشياء التي وقع فيها نحذر منها، وتلك الأشياء التي تخدم السنة ولا نستغني عنها نستفيد منها، ولا نقول من لم يبدع ابن حجر مبتدع، ولا نقول من ترحم على ابن حجر مبتدع كما يقول هؤلاء السفهاء المدسوسون الذين دسهم أعداء الإسلام من المبتدعة، دسوهم في صفوفنا لإيجاد البلبلة والزلازل والفتن" انتهى كلام الشيخ ربيع، وهو مسجل بصوته في شريط بعنوان: تقوى الله والصدق.

رابعاً يقول الشيخ عبد الرحمن: " وتطبيقاً لأصل الشيخ ربيع بن هادي فإنه وجماعته توسعوا في مفهوم البدعة، فجعلوا تأسيس الجمعيات الخيرية والجماعات الدعوية من البدع، ....، وهم جعلوا كل هؤلاء فرقاً ضالة من أهل النار... وشرع يسعى في إبطال عمل جماعة التبليغ، وبعد أن ناقشته طويلاً في هذا الأمر وهو يصر على إنهم مبتدعة ضلال" اهـ

قلت: أما موقف الشيخ ربيع مؤخراً فإنه التحذير من الجمعيات الخيرية وكان سابقاً يرى بها، فهذا اجتهاده بغض النظر أصاب أم أخطأ، وإن كنا نرى بقول عامة علمائنا الأكابر كالألباني وابن باز وابن عثيمين وغيرهم وهو جواز الجمعيات بشرط ألا تؤدي إلى التحزبات والولاءات الضيقة.

وأما قول الشيخ عبد الرحمن إن الشيخ ربيعاً يرى: أن "الجماعات الدعوية يعني كالإخوان المسلمين وجماعة التبليغ جماعات مبتدعة" فهذا قول مشهور عن غيره أيضاً من العلماء، ويظهر لي أن الشيخ عبد الرحمن ما زال على قول ابن باز القديم، وهو القول بأن جماعة التبليغ والاخوان فيهم خير وعندهم أخطاء، دون التصريح من سماحته بتبديعهم، ولعله لم يقف على آخر الفتاوى لابن باز وغيره، وقد كان آخر أو من أواخر فتاواه مع اللجنة الدائمة فتوى رقم ( 17776 ) بتاريخ 18/3/1416هـ حيث جاء فيها: "ما ذكرته من أعمال هذه الجماعة كله بدعة فلا تجوز مشاركتهم حتى يلتزموا بمنهج الكتاب والسنة ويتركوا البدع"، هكذا أجابت اللجنة برئاسة الشيخ ابن باز وعضوية كل من الشيخ : بكر بن عبد الله أبو زيد، وعبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، وصالح بن فوزان الفوزان.

كما سئل الشيخ ابن باز قبل وفاته بسنتين بالطائف السؤال التالي: " أحسن الله إليك، حديث النبي صلى الله عليه وسلم في افتراق الأمم، قوله: "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة..." الحديث، فهل جماعة التبليغ على ما عندهم من شركيات وبدع، وجماعة الإخوان المسلمين على ما عندهم من تحزب وشق العصا على ولاة الأمور، هل هاتان الفرقتان تدخل في الفرق الهالكة؟ فأجاب بقوله: " تدخل في الاثنتين والسبعين، ومن خالف عقيدة أهل السنة دخل في الاثنتين والسبعين، المراد بقوله (أمتي) أي: أمة الإجابة، أي: استجابوا له وأظهروا اتباعهم له، ثلاث وسبعين فرقة: الناجية، السليمة التي اتبعته واستقامت على دينه، واثنتان وسبعون فرقة فيهم الكافر وفيهم العاصي وفيهم المبتدع، أقسام، فقال السائل: - يعني - هاتان الفرقتان من ضمن الاثنتين والسبعين؟ فأجاب: نعم، من ضمن الثنتين والسبعين"اهـ. [من شريط أحد دروس المنتقى في مدينة الطائف قبل وفاته بسنتينٍ]، وبنحو قوله مؤخراً عن ابن عثيمين والعباد والفوزان واللحيدان والوادعي وغيرهم، وقال الألباني: " ليس صوابًا أن يقال إن الإخوان المسلمين هم من أهل السُنة، لأنهم يحاربون السُنة" [من شريط فتوى حول جماعة التبليغ والإخوان من تسجيلات منهاج السنة بالرياض]، والواجب على الشيخ عبد الرحمن وغيره من العلماء تحري آخر ما أفتى به كبار العلماء لا التمسك بقول قديم تراجع عنه المشايخ.

ولا يلزم من تبديع الجماعة تبديع كل أفرادها ففيهم الجاهل والمغرر به، ومن لم تقم عليه الحجة ولم ترفع عنه الشبهة، فالجماعة ومنهجها غير الشخص الذي من لم تتوفر في حقه شروط التبديع وانتفاء الموانع كما بينت ذلك في كتابي " ضوابط التبديع"، وهو مطبوع متداول.

خامساً يقول الشيخ عبد الرحمن: " ومن الأصول التي وضعوها كذلك أن أي قيام لأمر بمعروف أو نهي عن منكر فإنه خروج، وأن الإمام لا يُنصح إلا سراً، وبهذا الأصل الفاسد تصدوا لكل داعٍ إلى الله فبدعوه واتهموه بالخروج، ومعلوم أن نصح الإمام يكون سراً وعلناً بحسب المصالح الشرعية"اهـ

قلت: هذه مسألة شائكة انتشرت اليوم في أوساط الشعوب الإسلامية، موافقة للديمقراطيين والخوارج، وهي مسألة إظهار عوار الحاكم للأمة مطلقاً من غير تفصيل، وقد بسطت ذلك في كتابي " الوثيقة المهمة ص 101 -114، طبعة دار اللؤلؤة 2015م"، ولذا أقول: مما لا شك فيه شرعاً أنه يجب إنكار المنكرات سواء كانت من السلطان أو من عامة الناس، إلا أن إنكار مثل ذلك على السلطان لا بد فيه من الحكمة ونصيحة السر؛ لأمرين اثنين:

الأول: أن هذه طريقة الصحابة وأصحاب القرون المفضلة وهي الموافقة للنصوص الشرعية.

الثاني: حرصاً على جمع الكلمة، وخوفا من فتك السلطان.

فأما الأول: فقد ورد في ذلك بعض الأحاديث والآثار العديدة، ومن ذلك:

ما ثبت عند الإمام أحمد في مسنده عن عياض بن غنم رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «من أراد أن ينصح لذي سلطان في أمر فلا يبده علانية، وليأخذه بيده، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدَّى الذي عليه».

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: « قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟! والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه».

وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال: «إن كنت فاعلاً ولابد ففيما بينك وبينه» [ ابن رجب ، جامع العلوم والحكم (ص83)، والأثر أخرجه بمعناه البيهقي في " شعب الإيمان" (10/73 رقم 7186).].

ولذا فحديث أبي سعيد الخدري كما في سنن ابن ماجه الذي يقول فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»، يؤكد نصيحة السر بقوله: «عند سلطان جائر»، ولم يقل: «عند العامة».

ويستثنى من ذلك ما كانت المصلحة فيه جهرا أولى من السر، وذلك إذا كان تأثيره أعظم في الإزالة وأصلح، كما سيأتي بيانه.

وأما الثاني:

فالحرص على جمع الكلمة خير من تفريق الصف؛ فإن نصيحة الجهر أمام العامة علناً يفضي إلى الخروج على الحاكم؛ لأن عامتهم يجهل حقوق الولاة على ضوء الشرع المطهر كما يجهل قواعد المصالح والمفاسد، فيثق هؤلاء العامة بديانة الخطيب أو الواعظ فيخرجون على ولي الأمر بالمظاهرات أو الانقلابات أو ما يسمى بالعصيان المدني ونحو ذلك مما جلبه الكفار إلى بلاد المسلمين، و«القاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين».

ومما لا شك فيه عند الأصوليين والفقهاء: أن كل وسيلة أدت إلى حرام فهي حرام».

قال الخطابي رحمه الله كما ذكره النووي في المنهاج شرح صحيح مسلم (2/227): «ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يُدعى لهم بالصلاح»هـ.

وقال الشوكاني رحمه الله كما في السيل الجرار (4/556) : «ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل: أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد» اهـ.

وجاء في الدرر السنية (9/153)، للشيخ عبد الرحمن بن قاسم : «إنكار المنكر على الولاة ظاهراً مما يوجب الفرقة والاختلاف بين الإمام ورعيته، فإن لم يقبل المناصحة خفية، فليرد الأمر إلى العلماء، وقد برئت ذمته» اهـ.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله كما في الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة (ص 50): «على من رأى منهم ما لا يحل أن ينبههم سراً لا علناً بلطف وعبارة تليق بالمقام »اهـ.

وقال الألباني رحمه الله كما في مختصر صحيح مسلم، عند الحديث رقم (335): «يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ؛ لأن في الإنكار جهاراً ما يُخشى عاقبته؛ كما اتفق في الإنكار على عثمان جهاراً؛ إذ نشأ عنه قتله».

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله كما في كتابه المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم والمحكوم (ص23) : «لما فتحوا الشر في زمن عثمان رضي الله عنه وأنكروا على عثمان رضي الله عنه جهرةً تمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية وقتل عثمان وعلي بأسباب ذلك، وقتل جم كثير من الصحابة وغيرهم بسبب الإنكار العلني وذكر العيوب علناً حتى أبغض الناس وليَّ أمرهم، وحتى قتلوه، نسأل الله العافية»اهـ.

وقال رحمه الله كما في نصيحة الأمة في جواب عشرة أسئلة مهمة، سؤال وجواب رقم (10): «ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به؛ حتى يُوجه إلى الخير، أما إنكار المنكر بدون ذكر الفاعل: فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا من دون ذكر من فعله، فذلك واجب؛ لعموم الأدلة، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير أن يذكر من فعلها» اهـ.

وقال ابن عثيمين كما في كتاب مقاصد الإسلام (ص393): «فإن مخالفة السلطان فيما ليس من ضروريات الدين علنًا، وإنكار ذلك عليه في المحافل والمساجد والصحف ومواضع الوعظ وغير ذلك ليس من باب النصيحة في شيء، فلا تغتر بمن يفعل ذلك، وإن كان عن حسن نية، فإنه خلاف ما عليه السلف الصالح المقتدى بهم، والله يتولى الهدى»اهـ.

وقال رحمه الله نقلاً من كتاب محمد بن ناصر العريني، المسمى وجوب طاعة السلطان (ص23-24) : «بعض الناس ديدنه في كل مجلس يجلسه الكلام في ولاة الأمور، والوقوع في أعراضهم، ونشر مساوئهم وأخطائهم معرضاً بذلك عما لهم من محاسن أو صواب، ولا ريب أن سلوك هذا الطريق والوقوع في أعراض الولاة لا يزيد في الأمر إلا شدة؛ فإنه لا يحل مشكلاً ولا يرفع مظلمة، إنما يزيد البلاء بلاءاً ويوجب بغض الولاة وكراهيتهم وعدم تنفيذ أوامرهم التي يجب طاعتهم فيها [بالمعروف]»اهـ.

وقال أيضا - رحمه الله نقلاً من كتاب أخي الحبيب الشيخ عبد السلام البرجس رحمه الله، والمسمى معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة (ص32) : «فالله الله في منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يتخذ م أخطاء السلطان سبيلاً لإثارة الناس وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عين المفسدة وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس، كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يحدث الشر والفتنة والفوضى، وكذا ملء القلوب على العلماء يحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يحملونها، فإذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر ضاع الشرع والأمن، لأن الناس إن تكلم العلماء لم يثقوا بكلامهم، وإن تكلم الأمراء تمردوا على كلامهم وحصل الشر والفساد، فالواجب أن ننظر ماذا سلك السلف تجاه ذوي السلطان وأن يضبط الإنسان نفسه وأن يعرف العواقب، وليعلم أن من يثور إنما يخدم أعداء الإسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال بل العبرة بالحكمة، ولست أريد بالحكمة السكوت عن الخطأ، بل معالجة الخطأ لنصلح الأوضاع لا لنغير الأوضاع، فالناصح هو الذي يتكلم ليصلح الأوضاع لا ليغيرها»اهـ.

وقال الشيخ صالح الفوزان في خطبة جمعة مسجلة له صوتيا بعنوان: " وجوب التمسك بمنهج أهل السنة والجماعة: «نحن لا نقول إن الولاة معصومون، ولا يحصل منهم أخطاء، ولا يحصل منهم ظلم، لا نقول إن الشعوب ليس لها حقوق، لا نقول هذا؛ بل نقول: الشعوب لها حقوق والولاة ليسوا معصومين، ويحصل منهم ما يحصل، ولكن ليس العلاج بالفوضى والمظاهرات والتخريب وإحراق المرافق العامة، ليس حل المشكلة في هذا، المشكلة تحل بما ذكر الله جلَّ وعلا في قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾[النساء:83].

فإذا جاءهم أمر من الخوف مثل ما يحصل الآن أو من الأمن فلا يستعجل العوام والغوغاء والدهماء وأصحاب الفكر المحدود، لا يستعجلون بالحث فيه ونشره وإبداء الآراء فيه، هذا ليس من شأنهم، هذا يرد إلى الرسول إليه صلى الله عليه وسلم في حياته وإلى سنته بعد وفاته، (وإلى أولي الأمر) وهم أهل العلم وأهل السياسة والعقل، ولاة الأمور، فيحلون هذه المشاكل ويضعون لها الحلول الناجحة بإذن الله عز وجل ، هذا هو طريق الحل في هذه المسألة ، ويتولى ذلك أهل العلم وأهل الرأي من الرعية - أهل الرأي والبصيرة والعقول - ما هو بالفوضى والدهماء والمظاهرات، هذه ما تزيد الأمر إلا شدة والعياذ بالله، وما العواقب بعدها؟

انفلات يحصل، انفلات في الأمر، وإذا انفلت الأمر ضاعت الحقوق، هم يطالبون بحقوق قد تكون يسيرة... لكن تضيع الحقوق عامة، ولا يبقى حق نسأل الله العافية، فالواجب أن نتبصر في هذا الأمر، وأن نردَّه في هذا الشأن ليقوموا بحله وإبداء الآراء الناجحة فيه، لا نتعجل في هذا الأمر، كلٌّ يبدي رأيه حديث المجالس، لا، هذا لا يجوز، هذه فوضى، فوضى فكرية تؤول إلى فوضى بدنية، نسأل الله العافية»اهـ.

وقال حفظه الله كما نقله جمال بن فُريحان الحارثي، في كتاب الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة (ص24) : «العصمة ليست لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحكام المسلمون بشر يخطئون، ولا شك أن عندهم أخطاء ليسوا معصومين، ولكن لا نتخذ من أخطائهم مجالاً للتشهير بهم ونزع اليد من طاعتهم، حتى وإن جاروا وإن ظلموا، حتى وإن عصوا، مالم يأتوا كفراً بواحاً، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان عندهم معاص وعندهم جور وظلم؛ فإن الصبر على طاعتهم جمع للكلمة، ووحدة للمسلمين، وحماية لبلاد المسلمين، وفي مخالفتهم ومنابذتهم مفاسد عظيمة، أعظم من المنكر الذي يصدر منهم، ما دام هذا المنكر دون الكفر ودون الشرك، ولا نقول: إنه يسكت على ما يصدر من الحكام من أخطاء، لا، بل تعالج، ولكن تعالج بالطريقة السليمة، بالمناصحة لهم سراً، والكتابة لهم سراً، وليس بالكتابة التي تُكتب، ويُوقع عليها جمع كثير، تسلم لوي الأمر، أو يكلم شفوياً، أما الكتابة التي تكتب وتوزع على الناس، فهذا عمل لا يجوز ؛ لأنه تشهير، وما هو مثل الكلام على المنابر، بل هو أشد ، بل الكلام يمكن أن ينسى، ولكن الكتاب تبقى وتتداولها الأيدي، فليس هذا من الحق»اهـ.

وقال حنبل رحمه الله كما ذكره ابن مفلح، في الآداب الشرعية (1/196) نقلا عن الخلال : «اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله [ يعني أحمد بن حنبل] وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا – يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك- ، ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر أو يُستراح من فاجر، وقال: ليس هذا بصواب، هذا خلاف الآثار»اهـ.

ويستثني من ذلك ما إذا كانت المصلحة في العلن لا تؤدي إلى منكر أعظم كما ذكر الشيخ عبد الرحمن، وهذه المصلحة يقدرها كبار العلماء، فلا يخوض الداعية في مسلك كهذا حتى يستشير كبار علماء عصره ولو بعضهم دفعاً للفتنة.

وقد قال الشيخ صالح بن محمد اللحيدان كما في محاضرة صوتية له بعنوان منهج أهل السنة والجماعة في الحكم على الآخرين: «طالب العلم ينبغي أن يعتني بالمشاورة والمراجعة، وعرض ما يمر عليه من أفكار ، وآراء مشوشة، على ميزان الشرع – على دلالة الكتاب والسنة - فإذا التبس عليه الأمر رجع إلى من يراهم أرسخ منه في العلم »اهـ.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين كما نقله الطيار، في اللقاء المفتوح لابن عثيمين (ص814-816) : «ولكن يجب أن نعلم أن الأوامر الشرعية في مثل هذه الأمور لها مجال، ولا بد من استعمال الحكمة، فإذا رأينا الإنكار علناً لا يزول به الشر، ولا يحصل به الخير بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سراً، وبهذا تجتمع الأدلة ، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علناً فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على الإنكار يكون سراً فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر ولا يحصل به الخير.

وأقول لكم: إنه لم يضل من ضل من هذه الأمة إلا بسبب أنهم يأخذون بجانب من النصوص ويدعون جانباً، سواء كان في العقيدة أو في معاملة الحكام أو في معاملة الناس، أو غير ذلك»، وقال أيضاً: «من الناس من يريد أن يأخذ بجانب من النصوص وهو إعلان النكير على ولاة الأمور، مهما تمخض عنه من المفاسد، ومنهم من يقول: لا يمكن أن نعلن مطلقاً، والواجب أن نناصح ولاة الأمور سراً كما جاء في النص الذي ذكره السائل، ونحن نقول:

النصوص لا يكذب بعضها بعضاً، ولا يصادم بعضها بعضاً، فيكون الإنكار عند المصلحة معلناً عند المصلحة، والمصلحة هي أن يزول الشر ويحل الخير، ويكون سراً إذا كان إعلان الإنكار لا يخدم المصلحة، ولا يزول به الشر ولا يحل به الخير»اهـ.

وقال الشيخ عبد المحسن العباد في مقال له [بعنوان « حقول ولاة الأمر المسلمين، النصح والدعاء لهم والسمع والطاعة في المعروف»، كما نشرته جريدة الوطن الكويتية، بتاريخ 26/11/1433 هـ - 2012/10/14] حيث قال: «وإذا ظهرت أمور منكرة من المسؤولين في الدولة أو غير المسؤولين سواء في الصحف أو في غيرها فإن الواجب إنكار المنكر علانية كما كان ظهوره علانية؛ ففي صحيح مسلم (177) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » اهـ.

والمتتبع لما سبق من النقولات المختلفة يقطع أن الشريعة الإسلامية قائمة على قاعدة المصالح والمفاسد، وما هذه النقولات المتقدمة إلا شواهد لقاعدة " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" التي تعتبر من صلب الكتاب والسنة.

وقد وردت أمثلة كثيرة للإنكار العلني على السلطان، لكنها اختلفت من حيث المآل والحال وواقع السلطان، فكانت على جهتين:

الجهة الأولى: الإنكار العلني المرغوب ، وذلك إذا كان السلطان ممن عرف بتقواه وصلاحه وتقبله للنصيحة ولم يكن في تأديتها جهراً منابذته بالسيف أو الخروج عن طاعته، أو كان لعالم ما مكانة عنده، فلا يرد له طلباً، ولا يرفض له نصحاُ سراُ كان أو جهراً، وغلب الظن أن المصلحة فيها ستكون أعظم من المفسدة حسب الزمان والمكان، فلا بأس به، ومما يدل على ذلك حديث طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري قال: أخرَجَ مروان المنبر في يوم عيد، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنَّةَ؛ أخرجت المنبر في يوم عيد؛ ولم يُخرَجْ فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، فقال أبو سعيد: من هذا؟ قالوا: فلان بن فلان. فقال: أمَّا هذا؛ فقد قضى ما عليه؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكراً فليغره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [أخرجه مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، واللفظ له، بإسناد صحيح على شرط مسلم].

الجهة الثانية: الإنكار العلني المرفوض؛ وذلك إذا كان السلطان ممن لا يُعرف بتقوى أو صلاح، أو يغلب عليه عدم الديانة وكراهية من ينصحه جهراً، أو لكونه قد يفهم م من نصيحة الجهر الخروج عن طاعته، وغلب الظن أن المفسدة ستكون أعظم من المصلحة، فهذه النصيحة لا تحل جهراً لأنها ستؤدي إلى مفسدة أعظم، وهذا الباب هو الذي لأجله شدد علماء الأمة حتى كادوا أن يطبقوا على حرمة نصيحة السلطان في الجهر، وذلك خشية فتك السلطان وسفك الدماء، خصوصاً أنها سفكت دماء بعض الصحابة والتابعين بسبب الإنكار العلني الذي صاحبه الخروج عن طاعة الأمير؛ فإن طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة رضي الله عنهم جميعا أنكروا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه جهراً تأخير القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، وتبعهم على هذا الإنكار جملة من خيرة الصحابة والتابعين، فسفكت الدماء بسبب هذه الفتنة في موقعة الجمل بالبصرة عام 36 هـ، وقبل هذه الفتنة حصلت فتنة قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان بسبب الإنكار عليه جهراً والخروج عن طاعته، فاجتمعوا عليه وقتلوه، ومثل ذلك أيضاً إنكار التابعي الكبير سعيد بن جبير علناً على الحجاج فقتله الحجاج صبراً، ثم ظهرت فتنه عبد الرحمن بن الأشعث الذي كان يجهر بالإنكار على السلطان حتى خرج عن طاعته، وقد فتن في هذ المحنة بعض العلماء وأفاضل التابعين وقتل بسببها أكثر من مائة ألف رجل، لذلك شدد علماء أهل السنة ومنعوا الإنكار العلني على السلطان في الجملة – كما سلف من أقوالهم-إلا إذا غلبت عليه المصلحة التي يراها كبار علماء ومجتهدو العصر، وقلَّ من يرجع إليهم في عصرنا الحاضر؛ لكون كثير من الناس تأثر بالإعلام المزيف وببعض الشخصيات التي تتأثر بما يدور حولها في الساحة من أحداث دون أن يربطوها بأدلة الشرع المطهر وفقه المصالح والمفاسد.

وفي عصرنا الحاضر ظهرت الفتنة العظمى المسماة بثورات الربيع والتي تم فيها إعلان النكير العلني على ولاة الأمر والخروج عليهم، وقد قتل بسببها حتى الآن أكثر من مليون في سوريا وليبيا واليمن وغيرها من الدول الإسلامية التي فُتِنَتْ بهذه الثورات، وتشرد بسببها ملايين البشر من أوطانهم، وتدمرت بلدان الثورات، وكثر فيها الفقر والفساد وتسلط عليها الأعداء من كل حدب وصوب وتفلت الأمن، وتزعزع الاستقرار، ورغم أنها كانت عام 2011م إلا أن سفك الدماء والحروب ما زالت مستمرة حتى كتابة هذه الأحرف.

سادساً يقول الشيخ عبد الرحمن: " وكنت أقول له: يا ربيع إن علم الجرح والتعديل قد انتهى تطبيقه في عصرنا، وإن هذا العلم وضع لعلم الحديث لتمييز من يصح روايته عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن لا يصح، وهو أحد علوم الحديث، وأما الذي تقومون به من سب الناس والتشهير بهم وإخراجهم من الإسلام ورميهم بالبدعة ليس في شيء من هذا العلم، ولا يدخل في شيء من علوم الحديث البتة"اهـ

قلت: وصف المبتدع بالابتداع مطلوب شرعاً سواء في العصور المتقدمة أو في عصرنا الحاضر، ولا ينقطع ذلك بانقطاع الرواية خلافاً لما ذكره الشيخ عبد الرحمن.

وقد اشترط العلماء في الرجل العالم الذي له حق التجريح خمسة شروط:

الأول: أن يكون الرجل ثقة في نفسه غير مجروح العدالة، فإن كان مجروحاً فلا يعتدُّ بقوله.

والثاني: أن يكون عالماً تقياً ورعاً، فلا يجرح لهوى أو حسد أو غرض دنيوي.

والثالث: أن يكون عارفاً بأسباب ودواعي التجريح.

والرابع: ألا يُعرف بالتعصب المذهبي.

والخامس: ألا يكون الجارح من الأقران خشية أن يجرح قرينة بسبب علة الحسد.

فإذا اتفقت هذه الشروط كلها في الشخص حُقَّ له أن يكون مجرحا وحق له أن يتصدر هذا الفن إذا شهد له العلماء بذلك، لأن مثله سوف يتصف بالعدالة والأمانة، وأما غيره فلا يحل له أن يخوض في مسالك كهذه؛ بل يترك ذلك لأهل الشأن والبصيرة؛ فهم أعرف بحال ومصلحة الأمة، وأن ينكبَّ على طلب العلم على أيدي العلماء، فإن أوقاتا عديدة تضيع على أمة الإسلام في الخوض فيما لا يعنيهم وفيما لم يُكلفوا به شرعاً.

ثم يجب أن تكون البدعة موجهة لمن يستحقها من المبتدعة ممن أصولهم بدعية، فإذا كانت أصول المسلم سنية ووقع في بدعة أو خطأ أو ضلالة، فإنه يُنصح في خطئه وبدعته بإقامة الحجة عليه وإزالة الشبهة عنه، فإن أقيمت عليه الحجة وزالت عنه الشبهة، ثم عاند وأصرَّ على البدعة، وليس له مخرج منها ولا مسوغ، فحينها يُلحق بالمبتدعة ولا كرامة، يُلحقه بذلك العلماء.

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كما في [مقال له نشر بعنوان: " أسلوب النقد بين الدعاة والتعقيب عل




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام