الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 345

حين يتجرأ السفهاء على العلماء

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


في ركن خافت من هذا العصر الصاخب، ترى قافلة من المتسلقين على جدار الشهرة، يمضون بألسنتهم السليطة فوق رؤوس العلماء، لأنهم ما عرفوا قدر العلم يوما، ولا تذوقوا طعمه.

هم لا يبحثون عن حقيقة، ولا يريدون إصلاحا، وإنما استبدلت قلوبهم الخشية بالسخرية، واستبدلوا الهيبة بالاستعراض، فانطفأ فيهم نور التمييز بين من ينير الطريق، ومن يحرقه.

ما أكثر ما ترى في منصات التواصل أقواما يتحدثون بثقة المنتصر، وهم لم يحفظوا القرآن ولا درسوا علومه، ولم يمسكوا كتابا في أصول العقيدة، ولا انحنوا لدرسٍ في التفسير، ولا عاشوا هم الحديث وقواعده، ولا تعب الفقه وأصوله، ولا موائد اللغة وعلومها.

ومع ذلك، ينصبون أنفسهم حكاما على العلماء، يصنفونهم، ويقيسونهم على أهوائهم، يسخرون من لحاهم، ولباسهم، ويمزقون أقوالهم بضحكة جاهلة، وعبارةٍ لاذعة.

كأن عقول الأمة ولدت في رؤوسهم وحدهم!

كأن فهم الوحي قد اختصهم بجهل، لا علم فيه دون سائر العلماء الذين أفنوا أعمارهم بين المخطوطات، والسنن، والليالي الطويلة في محراب الطلب والتدبر.

أمام هذا المشهد، لا تملك إلا أن تتساءل:

كيف صار الذي يفتش عن فتوى في غوغل، يزاحم العلماء في مجلس النقاش؟

وكيف أصبح الساخر الفارغ صاحب رأي، والعالم الجليل هدفا مشروعا لكل سخرية؟

إن الخطر لم يعد فقط في موت العلماء، بل في موت هيبتهم في قلوب أمثال هؤلاء الناس.

الخطر في أن تطفأ أنوارهم عمدا، ويستبدل بهم جهال يتكلمون عن الدين كأنهم اكتشفوه توا، لا ليرتقوا به، بل لينازعوا أهله فيه، ثم لا يحسنون غير تمزيقه وتبهيته.

أخرج الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).

ليست هذه نبوءة مرت مرور الكرام، بل مشهد نعيشه كما جاء في نور النبوة:

رؤوسٌ فارغة، تقتات على هدم العلماء، وتلبس جهلها ثوبا من الجرأة، وتزين غيها بحجة كاذبة: (حرية النقد)

لكن أي نقد هذا الذي لا يعرف أقدار الرجال، ولا يفرق بين العالم والمهرج، ولا بين من عاش لأجل الله، ومن يتكلم لأجل اللايك (الإعجاب) والمشاركة؟ أهو نقد، أم نقض؟

قال مالك بن دينار كما في شعب الإيمان للبيهقي (9/121): (كفى بالمرء شرا ألا يكون صالحا، وهو يقع في الصالحين).

وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري (ص 29): (لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، فإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب).

ويبدو أن بعضهم أكل من هذا اللحم حتى امتلأ، ثم راح يتخبط في سكرته، لا يدري إلى أين يساق، ولا بأي ذنب يحشر.

من هؤلاء السفهاء؟

إنهم لا يعرفون بطلب علم، ولا بأدب تلميذ، ولا بركعة عند الفجر خلف شيخ جليل.

لم يسهروا ليتحققوا من رواية، ولم يكلفوا أنفسهم مشقة سند، أو أصول مسألة.

كل ما لديهم: نبرة ساخرة، ولباس عصري، وقدرة على القص والتشويه، وتابِع غافلا يطربه صوت الجرأة.

ثم تراهم يقدمون الفاجر المتفلت على العالم الفقيه الورع، ويصفقون للمخالف الوقح، ويسخرون من الوقور الحيي، حتى قلبت الموازين.

صار العالم ثقيل الظل، والمتجرئ جميل الطرح.

وصار من يقول: اتق الله يوصف بالظلامي،

ومن يقول: افعل ما تشاء يمدح بأنه تنويري أو متنور.

وقد قال الله تعالى: (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم).

فلا تعجب إن رأيت هذا الزمان يحارب أولياء الله باسم حرية الفكر، ويهدم العلم باسم التحرر من القداسة، ويقدس رأي الفاسق باسم احترام الرأي والرأي الآخر.

لقد سموا الأدب: تخشبا، والوقار تزمتا، والغيرة على الدين انغلاقا، والتمسك بالكتاب والسنة تشددا، والانفتاحية على الفسق تنورا.

لكن كل هذا الضجيج لا يطفئ نور العالم، وإن أساء إليه ألف فم.

قال الله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).

وقال سبحانه: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط).

فأي مقام هذا الذي يقترن فيه أهل العلم بشهادة الله؟

ثم يأتي بعد ذلك من يطعن فيهم بلا وجل؟

إن من يستخف بالعالم، يطعن في ميراث النبوة، ويهدم جسر الهداية.

قال ابن المبارك كما في سير أعلام النبلاء (15/425):

(من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته).

فليحذر هؤلاء، فإن التهكم لا يغني عن الحق شيئا، والشجاعة الزائفة على العلماء، سرعان ما تفضح حين يسأل صاحبها: ما علمك؟ ما دليلك؟ من شيخك؟ أين تعلمت؟

حينها ينهار كل شيء، وتبقى كلماتهم رجع صدى لأهواء مضطربة، تبحث عن بريق، لا عن برهان.

احفظ لعالمك حقه، ولا تنخدع ببريق الحناجر، فإنما عظم الدين بعلم العلماء، وإن انهار الدين يوما، فلن يكون ذلك إلا حين يبغض أهله، وتتخذ المرجعية من الجهلاء المتصدرين.

ثبت في مسند الإمام أحمد وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه).

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام