الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 535

ما أقسى قلبك على غزة وأهلها

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


لقد شاهدت على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد تقشعر لها الأبدان، تدمي القلوب، أحدهم يقول: (تستحق حماس ما يحصل لها في غزة)، وآخر يتشفى فرحا بمقتل بعض إخوانه المسلمين بحجة أنهم ينتمون إلى حماس، وكأن دم المسلم صار رخيصا عند بعض القلوب الميتة، وكأن معركة الأمة كلها ليست إلا خلافا منهجيا أو حزبيا أو تناحرا سياسيا.

أما علم هؤلاء أن حماسا ليست وحدها في الميدان؟ فقد اجتمع في غزة فصائل شتى، منها من لا صلة لها بالإخوان، ومنها مجاهدون من أطياف متعددة، لكنهم جميعا وضعوا خلافاتهم جانبا حين رأوا العدو الصهيوني يطرق أبواب بيوتهم، ويهدم مساجدهم، ويذبح أطفالهم. نعم اختلفوا قبل الحرب، لكنهم اتحدوا في ساعة الحق أمام عدو محتل مشترك، يقتل الجميع بلا استثناء.

وهل يعقل أن نتشمت ونحن نرى نساء غزة يدفن أطفالهن بأيديهن؟ هل يصح أن نتجادل والدماء ما تزال ساخنة على أطراف سيارات الإسعاف وتحت ركام البيوت؟

إن الوقت ليس وقت تصفية حسابات، ولا مجالا لرفع رايات التحزب الضيق، بل هو وقت وحدة، وقت اجتماع كلمة، وقت تذكر قول الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).

إن المعركة اليوم ليست بين فصيل وآخر، ولا بين جماعة وأخرى، إنما هي بين مسلم وكافر، بين صاحب الأرض والمحتل الغاصب.

وما أشد خذلان الأمة حين يترك إخوانها يذبحون ثم يأتي من بيننا من يصفق للعدو بلسانه وهو يظن نفسه على شيء.

أيها الغافل المتشفي، أما سمعت قول نبيك صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)؟ فكيف صرت معول هدم بدل أن تكون لبنة بناء؟ كيف وقفت في صف العدو بلسانك بينما كان واجبك أن تكون في صف إخوانك بدعائك وقلبك وصدقتك وقلمك؟

أما علمت أن دم المسلم عند الله عظيم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند النسائي وغيره: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم).

فكيف تهون عندك دماء الأطفال والنساء في غزة، بل وتفرح بها وكأنها بشارة؟ أتخشى على نفسك أن تبعث يوم القيامة وقد حملت وزر التشفي بدماء الأبرياء؟

قف مع نفسك وقفة صدق، واعلم أن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

فهل ما زلت تزعم أنك من أمة محمد وأنت لا تتحرك لأوجاع إخوانك، ولا يرق قلبك لصراخ أطفالهم، ولا تذرف عينك على قتلاهم وجرحاهم؟

إن أهل غزة اليوم يجوعون وأنت تأكل، يقتلون وأنت تنام، يبيتون في العراء وأنت في فراشك الوثير.

فهل يليق بك أن تزداد قسوة على قسوة، وتشمت بآلامهم، وتزيدهم هما فوق همهم؟!!

إن لم تستطع أن تنصرهم بمالك وسلاحك، فانصرهم بدعائك على عدوهم، فانصرهم بصدقة خفية، فانصرهم بكلمة حق، فكل ذلك عند الله له وزن.

واعلم أن الله سائلك غدا عن دمعة يتيمة غزاوية رأيتها على الشاشات لم تشفق عليها، وعن صرخة أم لم تجبها بأي شيء تستطيعه، وعن جوع طفل لم تواسه، وعن موقف كان ينبغي أن تقفه فخذلت.

وما أشدها من لحظة حين تعرض عليك على الشاشات صور القتلى والجرحى والمشردين، وليس في قلبك ما يحركه تجاه إخوانك.

أين كنت؟ ومع من كنت؟ وماذا فعلت؟

إن دماء غزة ليست أرقاما في نشرات الأخبار، إنها دماء أمة بأكملها، إنها اختبار لقلوبنا جميعا، فمن رق قلبه نجا، ومن قسا قلبه خسر خسرانا مبينا.

اللهم لا تجعلنا من الخاذلين، اللهم ارزقنا قلوبا ترق لآلام المسلمين، اللهم اجعل لنا نصيبا من نصرة إخواننا في غزة، اللهم كن لهم وليا ونصيرا، ومؤيدا وظهيرا، اللهم اخذل عدوك وعدوهم، وأرنا فيه يوما كيوم عاد وثمود، إنك على كل شيء قدير.

حرر بتاريخ 16 ربيع الأول لعام 1447 هجرية.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام