الإثنين 8 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 25 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 574

عبودية الفكرة والتحزب

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


 في زمن يتكاثر فيه الضجيج وتختلط الأصوات، أصبح من السهل أن يضيع صوت الحق بين صرخات الشعارات، وأن يذوب نور البصيرة في وهج الرايات.
ولعل أخطر ما يبتلى به الإنسان - بعد الجهل - أن يسلم عقله لغيره، فيترك التفكير، وينتظر التوجيه، ويحسب أن طريق الجنة لا يرى إلا من خلال عيون شيخه، أو حزبه، أو جماعته!

(الحق لا يختزل في الأشخاص، ولا يعرف بالرجال، ولكن الرجال يعرفون بالحق).

هذه الكلمة تختصر مأساة أجيال كاملة من الناس الذين جعلوا عقولهم أسيرة لغيرهم، فإذا قال الشيخ: هذا هو الصواب او قال فلان ضال او مبتدع، قالوا: آمنا وصدقنا دون أن يقفوا على البينة أو الدليل.

وإذا أمرهم زعيم الحزب، أو قائد الجماعة، قالوا: سمعا وطاعة، ولو جرهم إلى باطل أو فتنة أو دماء محرمة، أذعنوا له، وأسندوه، ودافعوا عنه دفاعا مستميتا ضد من انتقده، وهذا عين الجاهلية الأولى.

قال الله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا).

العبرة ليست بمن قال، بل بما قيل، ولا بما ورثنا، بل بما دل عليه الدليل.

كم من إنسان كان يبحث عن الله، فوجد شيخا دله على الطريق، فظن أن الشيخ هو الطريق!
تعلق به أكثر مما تعلق بالوحي، حتى صار يزن الناس بميزانه، ويفسر النصوص على لسانه، ويرى أن كل من خالفه مبتدع أو ضال!
وهكذا، يتحول العالم من مبلغ عن الله إلى واسطة تعبد من دون الله، من حيث لا يشعر هو ولا أتباعه.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسلك حين قال كما في الصحيحين: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة،حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).

أي أن الناس سيسيرون على خطى الأمم السابقة في تعظيم مشايخهم وعلمائهم حتى يقدسوهم، كما قال تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله).

استقل بعقلك، وكن مع الحق وإن نبذك الناس.

الاستقلال الفكري وأنت متمسك بالدليل الشرعي ليس تمردا، بل عبادة.
وهو أن تزن الأمور بميزان الكتاب والسنة، لا بميزان الأشخاص.
وأن تحترم العلماء، لكن لا تقدسهم.
وأن تسمع من شيخك، لكن لا تغلق على نفسك بقفله.

قال الإمام مالك رحمه الله: (كل يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم).

هذه الجملة وحدها منهج حياة كامل في الحرية الفكرية والاتباع الواعي.

الحق أثمن من كل رابطة، فقد يخرجك الحق من صف الأحباب، ويضعك في صف الغرباء، لكنه لا يخرجك من صف اهل الحق ما دام انت صاحب حق.
قد يهاجمك قومك، وقد يلومك أقرب الناس إليك، لكن الله يعلم أنك ما خالفتهم إلا حبا له، وغيرة على دينه، وتمسكا بما أمر به.

قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء).

هؤلاء الغرباء هم الذين استقلوا بقلوبهم لله، ولم تشتر عقولهم ولا ذممهم بشعار ولا حزب ولا راية.

والحاصل: كن ابن الدليل لا ابن الرجال، فإن الأمة التي تفكر تنجو، والتي تقلد تهلك.
والذي يملك عقلا ثم يعطله كمن يملك سيفا ثم يسلمه لعدوه.

كن مع الحق وإن كنت وحدك، فالله معك، ولا تخف أن يقول الناس عنك: شذ، فالشاذ في زمن الباطل هو المستقيم في ميزان الحق.

والله الهادي إلى سواء السبيل.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام