حين يبيع الداعية رايته، من المحراب إلى مقهى العلمنة والليبرالية
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
صفحات التاريخ الإسلامي، ونشرات الأخبار، وبرامج اللقاءات في عصرنا الحاضر، تكرر القصة نفسها: رجال كانوا يوما على المنابر، أو في الندوات الثقافية، أو الأمسيات المختلفة، أو من خلال الحزب الإسلامي الفلاني ومواقعه وصحفه الإعلامية، يعلمون الناس الدين، أو يقودون الحركات الإسلامية نحو التصحيح، ثم صاروا يجلسون في استوديوهات القنوات التي تحارب الشريعة، يتحدثون باسم التنوير والحرية، وهم في الحقيقة يرددون ما كتبه لهم المخرج في غرفة التحكم، أو ما سوسته لهم عقولهم خلاف الشرع المطهر.
في الزمن الماضي، زمن النبوة، كثر المنافقون الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، يتسللون بين الصفوف، ويشهدون الجمع، لكن قلوبهم مع أعداء الدين. وكان عبد الله بن أبي بن سلول رأسا في النفاق، يجلس مع المسلمين ويخطط مع اليهود والمشركين.
وفي القرون المتلاحقة، رأينا أمثال ابن العلقمي الذي كان وزيرا في دولة الخلافة العباسية، ثم خانها وسهل دخول التتار إلى بغداد، فذبحوا العلماء والعامة، وسقطت عاصمة الإسلام.
وفي الزمن الحاضر، بعد موجات الربيع العربي، برزت أسماء من قادة الإسلاميين ونجوم التثقيف الإسلامي، كانوا يتحدثون عن تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية، فإذا هم اليوم يتحدثون عن مدنية الدولة، وعلمنة القوانين، وتحرير المرأة على الطريقة الغربية، وهم درجات، فليسوا على وتيرة واحدة، فالإنصاف مطلوب.
بعضهم كان في حزب إسلامي ثم انشق ليلتحق بالأحزاب العلمانية، وبعضهم انتقل من كتابة المقالات في نصرة الشريعة إلى كتابة المقالات للطعن في القرآن والسنة والدين، والسخرية من الأحاديث، وإنكارها.
لقد شاهدنا بأعيننا كيف تحول بعض الإعلاميين الإسلاميين السابقين إلى أدوات في قنوات تمولها أنظمة معروفة بعدائها للإسلام، مقابل رواتب، وتأشيرات إقامة، وإطلالات إعلامية يومية.
لماذا يحدث هذا؟ الجواب:
أولا: فتنة السلطة.
حين يفشل مشروع الإسلاميين في الحكم أو المعارضة، يتبرأ بعضهم من الفكرة بدل مراجعة التجربة، فيبحث عن منصة جديدة تضمن له البقاء في المشهد.
ثانيا: الإغراء المادي.
المال سلاح قديم، وقد اشترى به من لا خلاق له أقلاما وأصواتا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره: (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال).
ثالثا: الانبهار بالغرب. سفر، دراسات، جنسيات أجنبية، حياة مرفهة، فيبدأ المرء يقيم الشريعة بمنظار المجتمع الجديد الذي يعيش فيه لقلة الوازع الإيماني.
رابعا: الانتقام الشخصي. خلافات حادة داخل الصف الإسلامي تجعل البعض يظن أن هدم البيت على الجميع هو الانتصار.
خامسا: ضعف العلم الشرعي. فقد عاش كثير منهم على الشعارات والخطابة، فلما واجهوا شبهات فلسفية أو فكرية أو عقائدية، سقطوا.
لكن ليعلم الجميع أن من باع دينه لم ينتصر في النهاية، بل سيذكره التاريخ بالعار إلى قيام الساعة.
أين ابن العلقمي اليوم؟ وأين ابن أبي سلول؟ وأين من تحالفوا مع الاستعمار ضد أوطانهم؟ كلهم ذهبوا، وبقيت سيرتهم وصمة عار لا يمحوها الزمن.
واليوم، حين تفتح كتب التاريخ بعد خمسين عاما أو أكثر ستجد أسماء هؤلاء المتحولين في الهامش الأسود من الصفحات، يذكرهم التاريخ والناس كمن بدلوا بعد أن عرفوا، فاستحقوا قوله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم).
إنها ليست مسألة حرية فكر كما يزعمون، بل مسألة بيع وشراء، صفقة خاسرة مع الدنيا، يربحون فيها بضع سنين من الراحة، ويخسرون فيها وقارهم وصدقهم وآخرتهم.
فيا من كنت على ثغر من ثغور الإسلام، إياك أن تكون عبدا للمنبر الوضيع أو الكاميرا، بل كن عبدا لله، فإن الله غني عنك، والدين ماضٍ بدونك، لكنك أنت الفقير إلى الثبات.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.