خطر تتبع الفتاوى الشاذة والضعيفة
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الفتوى ليست رأيا شخصيا ولا قولا فكريا، وإنما هي بيان لحكم الله تعالى في المسألة، وتوقيع عنه جل وعلا.
ومن هنا سمى ابن القيم رحمه الله كتابه العظيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين.
قال ابن مفلح في المبدع في شرح المقنع (10/25): يحرم التساهل في الفتيا، واستفتاء من عرف بذلك.
فالفتوى تنزيل لشرع الله على وقائع الناس، وهي دين يدان الله به، وليست مجالا للهوى أو المزاج.
ولهذا كان على العامي الذي لا يملك أدوات الترجيح أن يسأل الأعلم الاورع، فلا يبحث عمن يوافق هواه، بل عمن يقربه من الجنة ويباعده عن النار.
قال الإمام محمد بن سيرين كما في مقدمة مسلم (1/14): إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
إن من يطلب الأسهل لهواه قد ضيع حقيقة الاستفتاء، وجعل الشرع تابعا لرغباته، بينما الشرع جاء ليهذب الهوى ويقيده، لا ليتبعه ويغذيه.
ولهذا كان الواجب أن يسأل المستفتي العالم الأعلم ليطمئن قلبه أن جوابه مبني على رسوخ في العلم، وأن يختار الاورع ليأمن من ميل الفتوى إلى دنيا أو هوى. فالأعلم يصيب الحق بدرايته، والأورع يحجزه خوفه من الله أن يتساهل فيما يغضب الله.
قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).
ولم يقل: اسألوا أي أحد، بل خص أهل الذكر: أهل العلم المتمكنين.
أما من يتتبع الرخص، ويبحث عن كل قول شاذ يوافق شهوته، فقد حذر العلماء من فعله.
قال سليمان التيمي كما في جامع بيان العلم، (2/92) لابن عبد البر: لو أخذت برخصة كل عالم لاجتمع فيك الشر كله.
قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا.
بل قال الإمام الأوزاعي كما في جامع بيان العلم (2/92) لابن عبد البر: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام.
فدين الله ليس لعبة بأيدي الناس، بل تسليم وانقياد.
قال تعالى: (فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم).
وقال سبحانه: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين).
وقد نقل ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/228) عن أبي عمرو بن الصلاح أنه قال: (ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء، وأخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق، أو كاد).
فمن ترك الصحيح والراجح، وتمسك بالشاذ والضعيف من المسائل، وقع في خطر عظيم.
انظر كيف يتخبط من جعل الفتوى سلعة يختار منها ما يلذ لهواه: مرة يستند إلى من أباح المعازف والغناء.
وأخرى يمد يده إلى ربا البنوك، مطمئنا أن ثمة من أجاز.
ويبرر سفور المرأة وضحكها مع الأجانب بفتوى دخيلة.
ثم يزعم أن تارك الصلاة لا يكفر، فيترك الصلاة، أو أن الدخان مباح، أو أن الاختلاط جائز.
وقد تجده يسوغ القمار بحجة التسلية، ويأكل الربا باسم اختلاف العصر، ويبرر سقوط الحجاب بالحرية، ويصافح الأجنبيات بدعوى البراءة من التعقيد.
وحين يأتي رمضان يركن إلى قول شاذ يبيح للموظف ترك الصيام، ويستسهل ترك الجمعة والجماعة بدعوى العمل أو النوم.
وإذا سافر إلى بلاد الغرب تدرع بفتاوى الضرورة حتى في أكل الميتة وشرب الخمر.
ثم هو في الزواج يحتج بمن أجاز للمسلمة الزواج من كتابي، ويهون سب الصحابة بحجة حرية الرأي، ويحتفل بأعياد الكفار بدعوى التعايش، بل يطعن في البخاري ومسلم باسم التجديد.
وربما يخرج على الحكام بدون ضوابط باسم الإصلاح، وهو لا يدري أنه يهدم أكثر مما يبني.
هذه المشاهد ليست إلا لوحة سوداء لإنسان جعل هواه دينه، فجمع كل شاذ، وتلقف كل ضعيف، حتى صار دينه أهواء متفرقة، وآراؤه أديانا متناقضة.
وهكذا يضيع الدين حين يعبث به الناس تحت اسم الفتوى الرخوة.
فالواجب على المسلم أن يستفتي من جمع العلم والورع، ويأخذ بالدليل الصحيح، ويجعل مقصده رضا الله لا إرضاء نفسه، فإن الفتوى توقيع عن رب العالمين، ولا يليق بعاقل أن يجعل توقيع ربه مطية لشهواته وهواه.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.