حدثني الثقة
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
عبارة لطالما سمعها طلاب العلم في كتب الحديث، من أئمة أجلاء دققوا في الرجال، وفتشوا عن العدالة والضبط، ولم يرضوا أن يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما صح سنده وثبتت عدالة ناقله.
لكنها اليوم في زمن فشو الفتن، وكثرة الخلافات في الأوساط العلمية، وغلبة الظنون، تحولت عند بعض الفضلاء إلى وسيلة للطعن والتجريح، تطلق بلا تثبت، وتبنى عليها أحكام وتشويهات، كأنها وحي منزل، بخلاف العصور الزاهرة المتقدمة، فإن الثقة عند أئمة الحديث مصطلح علمي دقيق، لا يطلق إلا بعد تمحيص طويل:
فالثقة عند المحققين: من جمع بين العدالة التامة والضبط الجيد.
ولذا: لا يوصف بالرواية إلا من تحقق من عدالته واطمأن إلى ضبطه.
وقد كان الإمام المحدث الكبير قديما يختصر أحيانا فيقول: (حدثني الثقة) لكن الثقة عندهم اسم معلوم موصوف معروف بميزان النقد الحديثي، لا رجل مجهول أو طويلب متحمس، أو محب، أو متعصب لشيخه، أو في قلبه شيء على المخالف، أو لا يحفظ لسانه، أو منتقم، ونحوهم من: عادمي صفتي العدالة والضبط.
فيا أيها الشيخ الفاضل، ويا طالب العلم: احذر من إسقاط المصطلحات في غير مواضعها، فاليوم نسمع من بعض أهل الخير والعلم عبارات مثل: (حدثني الثقة أن فلاناً قال كذا)، أو (أخبرني من أثق به أن فلانا عنده انحراف)، أو (بلغني من ثقة أن فلانا يطعن في عدالتي أو علمي أو عرضي أو في العلماء)، ونحوها من العبارات، ثم لا يلبث أن يبني عليها أحكاما: بالتحذير، أو التبديع، أو الاتهام، وكأن الناقل بذاته صار جرحا مفسراً، والحكاية صارت حجة قاطعة!
وهذا خطأ خطير، يجمع بين أمرين:
الأول: إعطاء وصف (الثقة) لمن لم تعرف عدالته ولا ضبطه.
الثاني: بناء أحكام شرعية جسيمة على مجرد نقل محتمل أو مجهل أو مغلوط.
يجب على المشايخ وطلاب العلم اليوم عندما يرون شخصا ينقل إليهم كلاما أن يتذكروا وقتها وفي كل حين قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
هذه الآية نزلت في خبر ظنه الصحابي صدقا، ومع ذلك أمرهم الله بالتثبت، فكيف اليوم في زمان كثرت فيه النقولات المغلوطة.
قال ابن كثير في تفسيره 7/245: يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا.
وقد كان السلف أشد الناس في التثبت:
قال ابن سيرين كما في مقدمة صحيح مسلم ص14: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
إذا كان التثبت واجبا في رواية الحديث، فهو آكد عند الكلام في الأعراض، والمقامات، والعلماء، وطلاب العلم.
وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: بحسب امرئ من الكذب أن يحدث بكل ما سمع.
وأخرج أبو داود وغيره، والحديث حسن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال.
من أراد الكلام في الناس، فليتثبت من أمرين: صدق النقل، وعدالة التأويل.
أيها الفاضل، أيها الداعية: ليس من الورع، ولا من حسن الظن أن تقول: (حدثني من أثق به أن فلانا قال: كذا)، ثم تبدأ في بناء الأحكام، بل الواجب في هذه المواطن:
أن تسأل عن المصدر بالاسم، وأن تطلب التثبت من النقل حرفا بحرف، وأن تعرف السياق والملابسات، وأن تحمل الكلام على أحسن محامله، وإن ثبت الكلام، فلا تتعجل في تأويله، بل راجع صاحبه واسأله: ماذا قصدت؟
وقد روى أبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه ص 160، والبيهقي في شعب الإيمان برقم 8345 واللفظ له عن سعيد بن المسيب قال: (كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرا وأنت تجد له في الخير محملاً).
وقال أبو حاتم بن حبان كما في روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص 126: (العاقل يحسن الظن بإخوانه وينفرد بغمومه وأحزانه، كما أن الجاهل يسيء الظن بإخوانه ولا يفكر في جناياته وأشجانه).
أخي الحبيب: إن أردت السلامة في الدارين، فلا تفتح بابا للطعن في أحد من أهل الخير إلا ببينة واضحة، ونقل صحيح، وميزان شرعي، وإلا وقعت في أعراض العلماء وأولياء الله الذين من عاداهم، فقد أعلن الحرب مع الله.
أخرج البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب.
فلا تدخل نفسك في باب ندم، وذنب، وقطيعة رحم علمي، أنت في غنى عنها.
ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء 4/408 عن ابن المبارك أنه قال: (من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته).
وذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك 2/14 عن أبي سنان الأسدي أنه قال: (إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس، متى يفلح؟).
اللهم طهر ألسنتنا من الزلل، واحفظ قلوبنا من الغل على أهل العلم وطلابه وعامة المسلمين وضعفائهم، وارزقنا الإنصاف والتثبت، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، ولا تجعلنا ممن فرقوا بين المؤمنين، وقطعوا أواصر المحبة باسم الغيرة على الدين، اللهم آمين.
حرر بتاريخ 22 محرم لعام 1447 هجرية.