لا ثقة ولا مروءة: بين وعود الغرب ومكر الصهاينة
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
لقد عرفت الأمة الإسلامية عبر تاريخها بأنها أمة وفاء وسلام، تحفظ العهود وتصون المواثيق، حتى مع أعدائها.
بينما عرف الغرب – وعلى رأسه أمريكا – ودولة بني صهيون، بأنهم لا يعرفون للعهد حرمة، ولا للميثاق قيمة، كما قال الشاعر:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب
منذ سايكس – بيكو المشؤومة (1916م) التي مزقت أوصال الأمة الإسلامية، وتقاسمت الدول الغربية أرض العرب كما يتقاسم اللصوص الغنائم، لم يعرف المسلمون من الغرب إلا الخيانة.
أعطوا العرب وعودا بالحرية بعد الحرب العالمية الأولى، ثم خانوا عهدهم، وزرعوا الكيان الصهيوني في قلب الأمة.
ثم جاء وعد بلفور (1917م) ليمنح من لا يملك أرض فلسطين لمن لا يستحق، فكانت تلك الخيانة العظمى التي جرت ويلات ونكبات لم يعرف لها التاريخ مثيلا.
ولم يتوقف مسلسل الغدر عند التاريخ القديم، بل تكرر في كل اتفاق ومعاهدة:
اتفاقية كامب ديفيد (1978م): تعهدت فيها إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة، لكنّها ماطلت، وتمددت في بناء المستوطنات، ورفضت أي حديث عن القدس.
اتفاقية أوسلو (1993م): وقع الفلسطينيون اتفاق سلام مقابل وعود بدولة، لكن إسرائيل لم تنفذ شيئا، بل ضاعفت الاستيطان، وضيقت على الشعب الفلسطيني، وحولت السلطة الفلسطينية إلى مجرد شرطي يخدم أمن الاحتلال.
اتفاقية وادي عربة (1994م): وعد الصهاينة باحترام الحدود مع الأردن، لكنهم استمروا في الاعتداءات على المقدسات الإسلامية في القدس، وخرقوا السيادة الأردنية مرارا.
حتى هدن غزة المتكررة التي ترعاها دول كبرى، لا تلبث أن تنقض، إذ يبدأ الاحتلال بالقصف والاغتيالات بعد أن يوقع على الورق وعود وقف إطلاق النار.
أما أمريكا، فهي الداعم الأكبر لهذه الخيانات:
فقد استخدمت حق النقض (الفيتو) أكثر من 40 مرة في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من الإدانة الدولية.
وغزت العراق عام (2003م) بحجة أسلحة الدمار الشامل، ثم اعترفت لاحقا أن الحجج كاذبة.
ورفعت شعار حقوق الإنسان بينما سجلت فضائح سجن أبو غريب وغوانتنامو أبشع صور الإهانة للكرامة البشرية.
لقد وصف القرآن هذا الصنف بدقة حين قال: (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون).
فما الذي ينتظر من كيان قام على الاغتصاب والقتل؟ وما الذي يرجى من قوة عالمية جعلت الكذب والخداع سياسة رسمية؟
إن على الأمة أن تدرك أن الغرب لا يلتزم إلا بما يخدم مصالحه، وأن المفاوضات والاتفاقيات معهم لا تعني شيئا ما لم يكن وراءها قوة تردعهم.
فصلاح الدين لم يحرر القدس باتفاقيات، بل بالسيف والعزم والعدل.
ومع ذلك، لما انتصر أوفى بالعهد وأمن الأعداء، ليبقى الإسلام دين العدل والمروءة حتى مع الخصوم.
لقد جربنا الغرب و(خصوصا أمريكا) والصهاينة مرارا، ولم يأت منهم إلا الغدر والخيانة.
فلا يجوز للأمة أن تنخدع مرة أخرى بشعاراتهم الزائفة.
إنها رسالة للتاريخ: لا ثقة ولا مروءة عند عدو غاصب، يبرم العهود نهارا وينقضها ليلا، يبتسم خديعة ويطعن غدرا، يرفع شعار السلام وهو يبيت على الحرب، يوقع المواثيق بيمينه ويهدمها بشماله.
لقد خبرت الأمة عبر القرون أن عدوها واحد في كل زمان: غدر متوارث، وخيانة متجددة، وأطماع لا تعرف حدودا.
فلا تغتروا بوعودهم، ولا تنخدعوا ببرقيات المجاملة ولا بخطب المساواة الزائفة، فإنما هي سراب، أما الحقيقة فهي أنهم لا يعرفون إلا لغة القوة، ولا يحترمون إلا من يملك زمامها.
والتاريخ شاهد، من بدر إلى حطين، ومن عين جالوت إلى غزة اليوم، أن من استمسك بحبل الله فقد نصره الله: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم).
فلتكن رسالتنا واضحة: نحن أمة لا تساوم على عقيدتها، ولا تفرط في أرضها، ولا تركع إلا لربها.
والله من وراء القصد.