الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الإيمان، والحسد يحرم صاحبه من الخير
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (34)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ١٠٥﴾.
بعد أن بين الله تعالى فساد طريق السحرة واتباع الشياطين، وجَّه المؤمنين إلى أمر عظيم، وهو حفظ اللسان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم من تعظيم الله، وسوء الأدب معه سبب للحرمان والخذلان.
فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾.
كان بعض المسلمين يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا، يقصدون: راقبنا وأمهلنا حتى نفهم كلامك، وهي كلمة صحيحة في أصل اللغة العربية، لكن اليهود كانوا يستعملونها على وجه السخرية؛ لأنها تحتمل في لغتهم أو باستعمالهم معنى قبيحا يقصدون به السب والاستهزاء، فيلوون بها ألسنتهم ويطعنون في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فنهى الله المؤمنين عن استعمال لفظ يحتمل الباطل، وإن كان قصدهم صحيحا، وأمرهم بلفظ واضح لا يحتمل إلا الخير، فقال:
﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.
وفي هذا تعليم للأمة أن المسلم لا يقتصر على سلامة قصده، بل يحرص أيضا على سلامة لفظه، ويبتعد عن كل كلمة توقع في اللبس، أو تكون ذريعة إلى السخرية بالدين.
ثم قال:
﴿وَاسْمَعُوا﴾.
أي اسمعوا سماع قبول وطاعة وامتثال، فإن العلم النافع هو الذي يثمر الانقياد، وليس فقط سماع الألفاظ.
فالطاعة لله ولرسوله من أعظم دلائل صدق الإيمان.
وقال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري:
(من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله).
فكلما ازداد العبد تعظيما لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ازداد قربا من ربه.
ثم كشف الله حقيقة دفينة في قلوب أعداء الإسلام فقال:
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
أي لا يحب كثير من الكافرين أن يفيض الله عليكم نعمة من نعمه، سواء كانت وحيا، أو علما، أو نصرا، أو رزقا، أو هداية.
وهذا من آثار الحسد الذي يحمل صاحبه على كراهية الخير للناس.
ولذلك كان أول ذنب عُصي الله به في السماء الحسد، حين حسد إبليس آدم عليه السلام، وأول جريمة عظيمة في الأرض كان باعثها الحسد، حين قتل ولد آدم أخاه.
فالحاسد قبل أن يؤذي غيره يحرق قلبه، ويعيش معذبا بما يرى من نعم الله على عباده.
ثم طمأن الله المؤمنين بقوله:
﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
فالفضل ليس بيد الناس، ولا يمنعه حاسد، ولا يقطعه مبغض، وإنما هو بيد الله وحده، يعطيه من يشاء بحكمته وعدله.
ولهذا لا ينبغي للمؤمن أن ينشغل بمن يحسده، بل ينشغل بطاعة ربه، فإن خزائن الله لا تنفد، ورحمته لا يمنعها أحد.
وختم سبحانه الآية بقوله:
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
أي أن جميع النعم الظاهرة والباطنة من فضله، وأعظم فضله على عباده نعمة الإسلام، ونعمة القرآن، واتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم).
فأعظم الخير هو ما يقرب إلى الله، وأعظم الفضل أن يرزق العبد الثبات على الإيمان حتى يلقاه.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: من كمال الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم اختيار الألفاظ الحسنة التي تليق بمقامه.
الثانية: لا يكفي حسن النية، بل لا بد من حسن القول والعمل.
الثالثة: السمع النافع هو الذي يثمر الطاعة والامتثال.
الرابعة: الحسد من أخطر أمراض القلوب، وهو سبب لرد الحق وكراهية الخير للناس.
الخامسة: لا تحزن إذا كره الناس ما أنعم الله به عليك، فإن الفضل بيد الله وحده.
السادسة: أعظم رحمة يختص الله بها عبده هي الهداية إلى الإسلام والسنة والثبات عليهما.
السابعة: إذا رأيت نعمة عند غيرك فاسأل الله من فضله، ولا تتمن زوالها، فإن خزائن الله لا تنفد.
إن هذه الآيات تربي المؤمن على كمال الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطهر قلبه من الحسد، وتغرس فيه اليقين بأن الأرزاق والهداية والفضل كلها بيد الله وحده، فلا يلتفت إلى حسد الحاسدين، ولا يضره كيد الكائدين، ما دام معتصما بكتاب ربه، متبعا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن من أكرمه الله بالإيمان فقد نال أعظم فضل، ومن رزقه حسن الأدب مع رسوله فقد فتح له بابا من أبواب محبة الله ورضوانه.
معاني مفردات الآيات
راعنا: كلمة كانت تحتمل معنى صحيحا، واتخذها اليهود وسيلة للاستهزاء، فنهي المؤمنون عنها.
انظرنا: أمهلنا وانتظرنا حتى نفهم.
واسمعوا: اسمعوا سماع قبول وطاعة وامتثال.
يود: يحب ويتمنى.
يختص برحمته: يفرد بها من يشاء من عباده.
ذو الفضل العظيم: صاحب الإحسان الواسع والعطاء الذي لا حد له.