العهد مع الله بين الوفاء والنقض
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (26)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ٨٣ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ٨٤ ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٨٥ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ٨٦﴾.
بعد أن أبطل الله أماني بني إسرائيل، وبيّن أن النجاة تكون بالإيمان والعمل الصالح، ذكّرهم بالميثاق العظيم الذي أخذه عليهم، والذي جمع أصول الدين ومكارم الأخلاق، ثم كشف كيف نقضوا ذلك العهد، فاستحقوا الذم والعقوبة.
افتتحت الآيات بقوله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾.
فبدأ سبحانه بأعظم الحقوق، وهو توحيده وعبادته وحده، ثم ثنّى بالإحسان إلى الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى اليتامى والمساكين، والكلمة الطيبة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.
فهذه الوصايا ليست خاصة ببني إسرائيل، بل هي من أصول الشرائع التي اتفقت عليها رسالات الأنبياء.
ثم قال سبحانه:
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾.
أي أعرض أكثرهم عن هذا الميثاق، فلم يكن تقصيرهم عن جهل، وإنما عن إعراض وعناد، ولهذا كان ذنبهم أعظم.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه:
(حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا).
وقال صلى الله عليه وسلم كما الحديث المتفق عليه ايضا:
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت).
وهذا يوافق قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فالكلمة الطيبة عبادة، وقد تكون سببًا في هداية القلوب، كما أن الكلمة الخبيثة قد تكون سببًا في فسادها.
ثم قال تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ﴾.
أي لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرج بعضكم بعضًا من أوطانهم؛ لأن المؤمنين كالجسد الواحد، فكان الاعتداء على بعضهم بمنزلة الاعتداء على أنفسهم.
لكنهم خالفوا هذا العهد، فقال سبحانه:
﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ...﴾.
كانوا يتحالفون مع الأعداء، فيقاتل بعضهم بعضًا، ويخرجون إخوانهم من ديارهم، ثم إذا وقعوا في الأسر دفعوا الفداء لإطلاقهم، فجمعوا بين مخالفة الكتاب في القتال والإخراج، والعمل ببعضه في فداء الأسرى.
ولهذا وبخهم الله بقوله:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.
وفي هذا أعظم التحذير من انتقاء أحكام الدين بحسب الأهواء، فيأخذ الإنسان ما يوافق رغبته، ويترك ما يشق عليه، فإن الدين يؤخذ كله، ويستسلم العبد لربه في جميع أوامره ونواهيه.
ثم ختم الله بقوله:
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ٨٦﴾.
أي آثروا مصالح الدنيا الزائلة على ثواب الآخرة الباقي، فكانت تجارتهم خاسرة، إذ باعوا الهدى بالضلالة، والعهد بالخيانة، والآخرة بالدنيا.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: أعظم الحقوق حق الله في توحيده وعبادته.
الثانية: بر الوالدين والإحسان إلى الخلق من أجلِّ القربات.
الثالثة: الكلمة الطيبة عبادة يؤجر عليها العبد.
الرابعة: دم المسلم وماله وعرضه ودياره كلها محرمة.
الخامسة: لا يجوز الأخذ ببعض أحكام الدين وترك بعضها اتباعًا للهوى.
السادسة: الإعراض عن أوامر الله بعد العلم بها من أعظم أسباب العقوبة.
السابعة: من قدّم الدنيا على الآخرة خسرهما جميعًا.
لقد بينت هذه الآيات أن الدين ليس شعائر تؤدى فحسب، بل هو عهد مع الله يقوم على التوحيد، والإحسان، والعدل، والوفاء بالمواثيق. وأن أخطر الانحراف أن ينتقي الإنسان من الدين ما يوافق هواه ويترك ما سواه، أما المؤمن الصادق فإنه يقول كما قال الله عن أهل الإيمان: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
معاني مفردات الآيات
ميثاق: عهد مؤكد.
قولوا للناس حسنًا: قولًا طيبًا ولينًا.
لا تسفكون: لا تريقون.
تظاهرون: تتعاونون وتتناصرون.
أسارى: أسرى.
تفادوهم: تدفعوا الفداء لإطلاقهم.
اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة: آثروا الدنيا الفانية على نعيم الآخرة الباقي.