الجمعة 9 صفر 1448 هـ || الموافق 24 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 2

العفو والصفح وحقيقة الفوز عند الله

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (36)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿**وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝١٠٩ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١١٠ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝١١١ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝١١٢﴾.

بعد أن بين الله تعالى خطر الاعتراض على الوحي، كشف في هذه الآيات حقيقة أخرى من حقائق الصراع بين الحق والباطل، وهي أن كثيرًا من أهل الكتاب لم يكن يمنعهم من الإيمان جهلٌ بالحق، وإنما كان يمنعهم الحسد، وهو من أخطر أمراض القلوب.

قال سبحانه:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾.

أي تمنوا أن ترجعوا عن دينكم إلى الكفر، لا لأن الإسلام باطل، بل لأنهم لم يطيقوا أن يروا نعمة الله قد آتاها أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ولذلك قال:
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾.

فكانت جريمتهم أعظم؛ لأنهم عرفوا الحق ثم أعرضوا عنه، كما قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.

وهذه الآية تعلم المؤمن أن أخطر أنواع الضلال هو رد الحق بعد معرفته، وأن الحسد قد يعمي صاحبه حتى يحارب ما أيقن بصحته.

ثم قال سبحانه:
﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾.

كان هذا في أول الإسلام، حين لم يؤمر المسلمون بقتال من يقاتلهم، فأمرهم الله بالعفو والصفح، تربيةً لهم على ضبط النفس، وعدم مقابلة الأذى بالأذى قبل أن يأتي أمر الله.

والعفو هو ترك المؤاخذة، والصفح أبلغ منه؛ لأنه يتضمن الإعراض عن الذنب وعدم التثريب على صاحبه.

ثم ختم الآية بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

فلا يظن المؤمن أن صبره عجز، بل هو طاعة لله، والله قادر على نصر أوليائه في الوقت الذي تقتضيه حكمته.

ثم وجههم إلى ما يثبت القلوب فقال:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.

فإذا كثرت الفتن، فالملجأ إلى الصلاة، وإذا اشتدت الدنيا، فالنجاة في الصدقة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء).

ثم قال:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.

تأمل قوله: "تقدموا لأنفسكم"، فكأن الأعمال الصالحة ليست ذاهبة، وإنما تسبق صاحبها إلى الدار الآخرة، تنتظره عند الله.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله، ويبقى عمله).

ثم أبطل الله دعاوى أهل الكتاب فقال:
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾.

إنها دعوى مجردة لا تقوم على دليل، ولذلك قال:
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.

وفي هذا أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو أن الدين لا يبنى على الأماني، وإنما على الوحي والبرهان.

ثم بين الله طريق النجاة الحقيقي فقال:
﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.

أي أخلص قلبه لله، وانقاد له ظاهرًا وباطنًا، واتبع شرعه بإحسان.

فلا يكفي الإخلاص وحده، ولا العمل وحده، بل لا بد من اجتماع الإخلاص والمتابعة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

ثم ختم الله الآية بأعظم بشارة:
﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

فلا خوف عليهم فيما يستقبلون، ولا حزن على ما مضى، وهذه غاية السعادة التي لا ينالها إلا أهل الإيمان والإحسان.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: الحسد قد يحمل صاحبه على محاربة الحق مع علمه به، فطهر قلبك من هذا الداء قبل أن يفسد دينك.
الثانية: ليس كل من عرف الحق اتبعه، وإنما يوفق لاتباعه من سلم قلبه لله.
الثالثة: الصبر والعفو عند القدرة من أخلاق المؤمنين، وهو قوة لا ضعف، إذا كان امتثالًا لأمر الله.
الرابعة: إذا كثرت الفتن، فالزم الصلاة، وأكثر من الصدقة، فهما من أعظم أسباب الثبات.
الخامسة: كل عمل صالح تعمله اليوم ستجده مدخرًا عند الله، فلا تحتقر شيئًا من الخير.
السادسة: النجاة يوم القيامة لا تنال بالانتساب إلى طائفة أو اسم، وإنما بالإخلاص لله، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.
السابعة: لا يغتر المؤمن بالأماني، فالجنة لا تنال بالتمني، وإنما بالإيمان الصادق والعمل الصالح.

إن هذه الآيات تربي القلب على الإخلاص، وتكشف خطر الحسد، وتعلم المؤمن أن طريق الفوز ليس بالأسماء والشعارات، وإنما بالاستسلام لله ظاهرًا وباطنًا، والإحسان في عبادته، فمن أخلص لله، واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم، وصبر على الأذى، وأكثر من الصلاة والزكاة، وجد ثواب عمله كاملًا عند ربه، وكان من أهل الأمن يوم يفزع الناس، فلا خوف عليه فيما يستقبل، ولا حزن على ما مضى، وذلك هو الفوز العظيم.

معاني مفردات الآيات

ود: تمنى وأحب.
حسدًا: تمني زوال النعمة عن الغير.
فاعفوا: اتركوا المؤاخذة.
واصفحوا: أعرضوا عن الإساءة مع ترك اللوم.
تلك أمانيهم: دعاويهم الباطلة التي لا دليل عليها.
هاتوا برهانكم: أقيموا حجتكم ودليلكم.
أسلم وجهه لله: أخلص نفسه وقلبه لله، وانقاد له.
وهو محسن: مخلص لله، متبع لرسوله صلى الله عليه وسلم في عمله.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام