الأمن رسالة الإسلام إلى العالم
[ضمن سلسلة (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)، الحلقة رقم (10) والأخيرة]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الأمن في الإسلام ليس قضية سياسية، ولا مطلبا اجتماعيا فحسب، بل هو عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، ونعمة يشكر عليها، ومقصد عظيم من مقاصد الشريعة، وضرورة لا تستقيم الحياة إلا بها.
لقد ربط القرآن بين الإيمان والأمن، فقال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
وربط بين الشكر ودوام النعم، فقال سبحانه:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
وجعل الأمن من أعظم مننه على عباده، فقال:
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.
وبين النبي صلى الله عليه وسلم قيمة هذه النعمة كما ثبت عند الترمذي وغيره بقوله:
(من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا).
وهكذا تتكامل نصوص الوحي لتقرر أن الأمن أساس العبادة، والعلم، والعمل، والاقتصاد، والعمران.
ففي ظل الأمن تقام الصلوات، وترفع راية العلم، وتنتظم الأسواق، وتتحرك القوافل، وتحفظ الدماء، وتصان الأعراض، ويطمئن الإنسان على نفسه وأهله وماله. أما إذا فقد الأمن، فإن أول ما يتضرر هو الإنسان، ثم تتداعى بعد ذلك سائر مقومات الحياة.
ولهذا كان الإسلام شديدا في تحريم كل ما يزعزع الأمن؛ فحرم قتل الأبرياء، والاعتداء على الأموال، وترويع الآمنين، والغدر، والخيانة، والإفساد في الأرض، وجعل من أعظم القربات الإصلاح بين الناس، وكف الأذى عنهم، والتعاون على البر والتقوى.
وإذا كان العالم اليوم يبحث عن الأمن من خلال المؤتمرات والاتفاقيات والأنظمة، فإن الإسلام سبق إلى ترسيخ أصوله؛ فبدأ بإصلاح الإنسان، وغرس مراقبة الله في قلبه، وإقامة العدل بين الناس، ثم شرع من الأحكام ما يحفظ المجتمع ويصون مصالحه. ولهذا فإن الأمن في الإسلام ليس أمنا تفرضه القوة وحدها، بل أمن يصنعه الإيمان، ويحرسه العدل، وتثبته الأنظمة العادلة.
ومن الواجب الشرعي المحافظة على هذه النعمة، والدعاء بدوامها، والتعاون على كل ما يزيدها قوة وثباتا.
لقد ذكرنا من خلال هذه المقالات أن الأمن لا يبدأ من الحدود، بل يبدأ من العقيدة، ولا يبدأ من العقوبة، بل يبدأ من التقوى، ولا يبدأ من الشارع، بل يبدأ من البيت، ومن المدرسة، ومن المسجد، ومن الكلمة الصادقة، ومن الضمير الحي. فإذا صلح الإنسان، صلح المجتمع، وإذا صلح المجتمع، استقرت الدولة، وإذا استقرت الدولة، ازدهرت الحضارة.
وما أحوج عالمنا اليوم إلى أن يدرك أن الأمن الحقيقي لا يقوم على المصالح والمطامع، وإنما يقوم على العدل، والرحمة، وحفظ الحقوق، واحترام كرامة الإنسان، وهي المبادئ التي جاء بها الإسلام وأكدها القرآن والسنة.
نسأل الله تعالى أن يديم على بلاد المسلمين نعمة الأمن والإيمان، وأن يحفظ أوطانهم من الفتن والشرور، وأن يوفق ولاة أمورهم لكل خير، وأن يجزي رجال الأمن والقوات المسلحة، وكل من يسهم في حماية البلاد وخدمة العباد، خير الجزاء.
ونسأله سبحانه أن يجعلنا من الشاكرين لنعمائه، العاملين بطاعته، المحافظين على أمن مجتمعاتنا، إنه سميع مجيب.