التــعــــــــــــاون في الخير من روابط الإخاء مهما اختلفنا
(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (16)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
التعاون هو الرابطة العظمى التي حثَّ عليها الإسلام ورغَّب الأمة فيها.
قال جل شأنه : {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ([1]).
وفي صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يُسْلِمُه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً فرَّج الله عنه كربةً من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة "([2]).
وفي الصحيحين أيضاً قال صلى الله عليه وسلم : " إن الأشعريين إذا أَرْمَلُوا في الغزو أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحدٍ ، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم "([3]).
وفي صحيح مسلم قال علية الصلاة والسلام : " مَنْ نَفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة ، ومن يَسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه "([4]).
وفي صحيح مسلم أيضاً قال علية الصلاة والسلام: " مَنْ سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلْيُنَفِّس عن معسرٍ أو يضعَ عنه "([5]).
وثبت في حديث آخر أنه قال : " مَنْ أَقَالَ مسلماً أقاله الله عثرته "([6]) وغيرها من صريح الأدِلة الصحيحة التي تدل دلالة نصية على وجوب التعاون بين المجتمعات ، كلٌّ حسب استطاعته وقدرته ، إلا أن أقواماً رغبوا عن ذلك الواجب فعاشوا انطوائيين لا يهمهم إلا نفوسهم وشهواتهم ، وكأنهم يعيشون خارج إطار المجتمع الإسلامي أمواتاً غير أحياء بسبب بُعدهم وانعزالهم عن هذا المضمار، يرحل بعضهم إلى أوربا ونحوها من دول الكفر والإلحاد ليقضي أيام العطل والمناسبات ، فيصرف الأموال الباهظة ليشبع شهوته وغريزته ، في الوقت نفسه يبخل عن صرف قليل المال على الفقير والمسكين، ويمسك يده عن اليتيم ونحوه ، وكأن ماله أخلده ، وحاشا الخلود أن يَعمَّه ويظله.
وآخر يرى الباطل والفسق والضلال والفجور فلا يتعاون مع إخوانه المسلمين بإنكاره أو تغييره ولو بالنصح والإرشاد، وهذه أمراضٌ تنافي شريعة الإسلام.
وقد قيل: "إن عقد الأخوة رابطةٌ بين الشخصين كعقد النكاح بين الزوجين ، وكما يقتضى النكاح حقوقاً يجب الوفاء بها قياماً بحق النكاح .. فكذا عقد الأخوة ، فلأخيك عليك حق في المال والنفس وفي اللسان والقلب"([7]).
والمتأمل في مجتمعاتنا اليوم يرى خلاف ما يقرأه ويطّلع عليه من الأدلة وحال السلف.
إن روح التعاون وحال السلف الصالح إزاء هذه الرابطة العظيمة يكمن في نوعين مهمين من أنواع التعاون ، تعاونٍ بالمال وهو التعاون المادي ، وتعاونٍ باللسان وهو النصيحة ، وكلا هذين المبحثين مأخوذين من عموم قوله جل شأنه : {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ([8])، ونحو ذلك من النصوص كما تقدم.
قال ابن كثير: "يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات ، وهو البر ، وترك المنكرات وهو التقوى ، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم"([9]).
ولا يخفى أن بذل المال والنصيحة لمستحقيهما من أجل أمور البر بالاتفاق، فالتعاون المادي يتمثل في الصدقات المستحبة ، والهبات والهدايا والعطايا والضيافات والمؤاساة وشراء ما يحتاجه صاحب الفاقة أو المرض أو الحاجة من جارٍ أو صديقٍ أو غيرهما من المساعدات والوقوف عند الملمات ، وليس منه الزكوات الواجبة لكونها متعلقةً في ذمة مَنْ فَرَضَ الله عليه زكاة ماله.
وهذا يعني أن المؤاخاة على التعاون في أمر الله تعالى قد تكون ببذل المال لمن يُؤاخى عليه ، وهو عين ما تحقق في زمنه صلى الله عليه وسلم وزمن القرون المفضلة الثلاثة.
وأما التعاون باللسان فيكمن في النصيحة وتعتبر من أهم الأشياء وأولاها وخصوصاً أن المجتمعات الإسلامية اليوم مليئة بالشوائب المختلفة والأدران المتعددة.
ولا علاج لهذه المجتمعات إلا بالنصيحة الصادقة التي يُقصدُ بها اصلاح المجتمع ودرء مفاسده ، ومتى تحقق ذلك ظهر المطلوب.
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) سورة المائدة ، الآية رقم (2).
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب المظالم, باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه (2/ 862 رقم 2310)] من حديث عبد الله بن عمر.
([3]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض (2/ 880 رقم 2354) ، ومسلم في صحيحه ، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل الأشعريين رضي الله عنهم (4/ 1944 رقم 2500)] كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري، ومعنى أرملوا: فَنِي طعامهم، وفي هذا الحديث فضيلة الأشعريين وفضيلة الإيثار والمواساة، وفضيلة خلط الأزواد في السفر، وفضيلة جمعها في شئ عند قلتها في الحضر [ انظر المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (16/ 62)].
([4]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (4/ 2074 رقم 2699)] من حديث ابن عمر.
([5]) أخرجه مسلم في صحيحه [ كتاب المساقاة ، باب فضل انظار المعسر، (3/ 1196 رقم 1563)] من حديث أبي قتادة.8401: 8500
([6]) أخرجه أبو داود في سننه [كتاب الإجارة ، باب في فضل الإقالة (2/ 296 رقم 3460)] من حديث أبي هريرة ، وقوله " مَنْ أَقَالَ " أي وافقه على نقض البيع أو البيعة وأجابه إليه ، " أقاله الله عثرته " أي غفر زلته وخطيئته [ انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود لأبي الطيب (9/ 237)، وكذا [فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (6/ 79)].
([7]) إحياء علوم الدين للغزالي (2/ 173).
([8]) سورة المائدة ، الآية رقم (2).
([9]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/ 7).