هل يجوز أن نقول: "فلان ينظر بنور لله"؟، وما معنى الفراسة وسببها؟
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 206: ما صحة قول بعضهم: "فلان العالم ينظر بنور لله"؟
ج 206: ورد في ذلك حديث ضعيف، أخرجه الترمذي في جامعه، وأبو نعيم في حلية الأولياء، والبخاري في التاريخ الكبير وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله".
وآفة هذا الحديث: عطية بن سعد العوفي، وهو ضعيف مدلس، وخاصة في روايته عن أبى سعيد، وهذه منها، وكان الإمام المحدث هشيم بن بشير، عالم أهل بغداد وغيره يضعف حديث عطية.
وللحديث شواهد شديدة الضعف عن أبي أمامة الباهلي وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وثوبان، وكلها لا تنتهض للاحتجاج بحال، فلا يصح حديث الباب البتة، ولا تغتروا بمن حسنه من علمائنا الأفاضل المتقدمين كابن القيم وغيره.
وأما هل يجوز أن نقول: إن فلاناً الصالح أو العالم ينظر بنور الله؟ فالجواب: لا بأس بذلك إذا كان القصد كناية عن نور الإيمان واليقين الذي يقذفه الله في قلب المؤمن الولي التقي فيتفرس في الأمور الحالية والمستقبلية، ويصيب في كثير منها، وسبب هذه الفراسة: قرب هذا المؤمن من ربه بخلاف من حجب الله عنه نور الإيمان واليقين بسبب معاصيه، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
وقد يكون الرجل من أهل الفراسة مع ضعف في الإيمان واليقين كالحكيم الذي يهب الله له الفطنة والتفرس، وهذه الميزة من الهبات الربانية التي يؤتيها الله من يشاء من خلقه بغض النظر عن بعدهم وقربهم منه سبحانه.
وقد فسر بعض أهل العلم كابن عباس وغيره قوله تعالى: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ" قالوا: للمتفرسين.
والفراسة بمعنى: التوسم بالعين لأمور خفية حالية أو مستقبلية، لا على جهة ادعاء علم الغيب، كقول العالم أو الحكيم: أتفرس في فلان أن يكون ذا شأن عظيم في المستقبل، أو كقول بعضهم: "أتوسم في فلان الفطنة"، وقد عُرف بعض الأعلام قديماً بالفراسة كأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وإياس بن معاوية، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة، وأبي القاسم المُناوي، وأبي عثمان الحيري، وشاه الكرماني، وغيرهم.
ولا يجوز لمسلم أن يقول: إن نور الله الإلهي ذاته حل في المؤمن، فهذا ضلال مبين، وشرك عظيم، وهو مذهب شرار الخلق كالحلولية، وغلاة الصوفية الاتحادية، وبعض طوائف الشيعة كالإمامية الاثني عشرية الرافضية، والإسماعلية، وهو خلاف ما عليه أهل الاسلام، وذلك أن ذات النور الإلهي بالغ الكمال، لا يحل في أحد من مخلوقاته، لا نبي مرسل ولا ملكٍ مقرب، ولا ولي تقي، ولا يكون ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو من خصائصه سبحانه، وبالله التوفيق.