الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 6149

من كان بعيدا عن الحضور مع العلماء كيف يطلب العلم؟

 بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س 378: أنا أقيم في كندا في مدينة هاليفاكس بولاية نوفاسكوتشيا حيث لا يوجد شيوخ وظروفي الحالية لا تساعدني على العودة إلى أحد البلاد الإسلامية لتلقي العلم على يد الشيوخ وظروفي المالية أيضا لا تعينني على السفر إلى البلاد التي يأتي إليها الشيوخ ويكثر بها طلبة العلم وأعلم أن من كان شيخه الكتاب فقد يضل.

سؤالي: كيف يتاح لي طلب العلم حتى يكتب لي الله الانتقال إلى مدينة يوجد بها الشيوخ وإن كان سبيلي الوحيد الآن هو السماع إلى المحاضرات ودراسة الكتب فهل أطمع في أن تكتبوا لي منهجًا متكاملًا بالكتب المعينة وجزاكم الله خيرًا أعانكم الله على فعل الخير.


ج 378: وأنت أعانك الله على طاعته وأبشر بالخير طالمًا وأنت مجتهد في طلب العلم ونهنئك على هذا الجهد المبارك ونسأل الله أن يوفقك لمواصلة طلب العلم، ونبشرك بما أعدّه الله عز وجل لطلاب هذا الخير عسى الله أن تكون كذلك.

فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سلك(1) طريقًا(2) يبتغي فيه(3) علمًا(4) سهّل الله له طريقًا إلى الجنة(5) وإن الملائكة(6) لتضع(7) أجنحتها(8) رضاءً(9) لطالب العلم(10) وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء(11) وفضل العالم(12) على العابد(13) كفضل القمر على سائر الكواكب(14) وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا(15) إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظٍ وافر(16)"(17). وهذا حديث حسن.

ويكفي الطالب فخرًا أن يرفع الله منزلته في الدنيا والآخرة كما قال جل شأنه: "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"(18).

وحاصل ما ننصحك به في الوقت الراهن وخصوصًا وأنت في تلك البلاد ما يلي:

1- بعد صلاة الفجر: حفظ ومراجعة كتاب الله جل وعلا بحيث تجعل يوميًا ما لا يقل عن حفظ صفحة من كتاب الله ومراجعة ما لا يقل عن نصف جزء يوميًا وتزداد المراجعة اليومية يومًا بعد يوم حتى تصل إلى جزء فأكثر حسب قوة الحفظ ولو يكون الحفظ بواسطة الأشرطة المسجلة ويفضل بصوت الشيخ محمود الحصري.

2- وبعد صلاة الظهر أو قبل الغذاء بقليل: مراجعة حديثين من الأربعين النووية.

3- وبعد صلاة المغرب: الاستماع إلى أشرطة الشيخ ابن العثيمين في الأصول في علم الأصول مع التلخيص على ألا تزيد على وجه واحد من الشريط.

4- وبعد صلاة العشاء: الاستماع لشرح الأصول الثلاثة والقواعد الأربع للشيخ ابن عثيمين.

5-  وبعد العصر: حفظ الأحاديث من بلوغ المرام.

بحيث لا تنقطع سواء عن الدروس أو المراجعة فإن المدوامة من الأسس المهمة لنجاح الطالب وهي أحب الأعمال إلى الله لما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل"(19).

مع قراءة ترجمة يومية من تراجم أهل العلم لأن ذلك يذكرك بمن سلف وبجهدهم وصبرهم من أجل طلب العلم والدعوة إليه مع سماع شريط أسبوعي يذكرك بالله جل وعلا وقبل ذلك كله الإخلاص والصدق مع الله وكثرة التعبد، واحذر أن تنقطع عن الدروس التي بدأتها، وأما ما تراجعه فيمكنك تركه بين الحين والآخر بحيث إذا تركت وقتًا أعدت المراجعة من موضع ما توقفت، ولكن ننصحك إن وجدت مخرجًا من تلك البلاد فاخرج إلى أرض الحرمين فإن بقاءك في بلاد العجم قد يضر دينك فكيف بك والرسول عليه الصلاة والسلام يقول كما في المسند وعند النسائي بإسناد حسن: "لا يقبل الله من مشرك عملًا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين"(20)، ويقول أيضًا في الحديث الآخر وهو حسن لغيره: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"(21).

والله أسأل أن يوفقك لما يحب ويرضى، وبالله التوفيق.
_______
([1]) دخل أو مشى. 
([2]) قريبًا أو بعيدًا وإنما أطلق الطريق ليشمل في جنسه أي طريق كان من مفارقة الأوطان والضرب في البلدان إلى غير ذلك. 
([3]) يطلب بذلك الطريق أو بذلك الدخول أو المشي.  
([4]) أي علم ديني علم نافع قليلا أو كثيرا أو..، وفيه إيماء إلى أن طرق الجنة محصورة في طرق العلم فإن العمل الصالح لا يتصوّر بدون العلم. 
([5]) في الآخرة فلا صعوبة ولا أهوال، أو وفقه الله للأعمال الصالحة فيوصله بها إلى الجنة أو: سهل عليه ما يزيد به علمه، لأنه أيضاً من طرق الجنة بل أقربها (ولو لم يحصل من العلم شيئاً لعذر وإنما بذل الجهد بنية صادقة). 
([6]) ملائكة الرحمة أو الذين في الأرض ويحتمل أن الملائكة كلهم.

([7]) قيل: وضع أجنحتها عبارة عن حضورها مجلسه (المراد الكف عن الطيران والنزول للذكر كقوله في حديث أبي هريرة وحفت بهم الملائكة) أو توقيره وتعظيمه أو إعانته على بلوغ مقاصده أو قيامهم في كيد أعدائه وكفايته شرهم أو عن تواضعها ودعائها له، يقال للرجل المتواضع خافض الجناح (كقوله تعالى: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة")، قيل: والأقرب كونه بمعنى ما ينظم هذه المعاني كلها كما يرشد إليه الجمع بين ألفاظ الروايات وذلك لأنه سبحانه وتعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام لما أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة فسألته على جهة الاستعظام لخلقه أن خلقاً يكون منهم الفساد وسفك الدماء كيف يكون خليفة فقال "إني أعلم ما لا تعلمون" (البقرة : 30) وقال لآدم عليه السلام: أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم تصاغرت الملائكة فرأت فضل آدم فألزمها الخضوع والسجود لفضل العلم فسجدت فتأدبت فكلما ظهر علم في بشر خضعت له وتواضعت إعظاماً للعلم وأهله هذا في طلابه فكيف بأحباره (بعلمائه). 
([8]) جمع جناح بالفتح وهو للطائر بمنزلة اليد للإنسان لكن لا يلزم أن يكون أجنحة الملائكة كأجنحة الطائر. 
([9]) لرضاها بالعلم الذي يطلبه وبطلبه له أو إرضاء له من أجل ذلك. 
([10]) الشرعي للعمل به وتعليمه من لا يعلمه لوجه الله تعالى.  
([11]) وقيل: إن الله سبحانه وتعالى ألهم الحيتان وغيرها من أنواع الحيوان الاستغفار للعلماء، لأنهم هم الذين بينوا الحكم فيما يحل منها ويحرم للناس، فأوصوا بالإحسان إليها، ونفي الضرر عنها مجازاة لهم على حسن صنيعهم. 
([12]) الغالب عليه العلم وهو الذي يقوم بنشر العلم بعد أدائه ما توجه إليه من الفرائض والسنن. 
([13]) الغالب عليه العبادة وهو الذي يصرف أوقاته بالنوافل مع كونه عالماً بما تصح به العبادة. 
([14]) ليلة الرابع عشر، يعني المشبه به في نهاية النور وغاية الظهور، وقيل: شبه العالم بالقمر والعابد بالكواكب لأن كمال العبادة ونورها لا يتعدى من العابد، ونور العالم يتعدى إلى غيره فيستضيء بنوره المتلقي عن النبي، كالقمر يتلقى نوره من نور الشمس من خالقها عزَّ وجلّ. 
([15]) أي شيئًا من الدنيا وخُصِّا لأنهما أغلب أنواعها، وذلك إشارة إلى زوال الدنيا، وأنهم لم يأخذوا منها إلا بقدر ضرورتهم، فلم يورثوا شيئًا منها لئلا يتوهم أنهم كانوا يطلبون شيئًا منها يورث عنهم. 
([16]) نصيبًا كثيرًا لا أكثر منه. 
([17]) أخرجه الترمذي في سننه [كتاب العلم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، باب ما جاء في فضل الفقة على العبادة (5/48 رقم 2682)] من حديث أبي الدرداء. 
([18]) سورة المجادلة، الآية (11). 
([19]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب اللباس - باب الجلوس على الحصير ونحوه (5/2201 رقم 5522)]، ومسلم في صحيحه [كتاب الصيام - باب صيام النبي صلى الله عليه و سلم في غير رمضان واستحباب أن لا يخلى شهرا عن صوم(2/809 رقم 782)] كلاهما من حديث أم المؤمنين عائشة. 
([20]) أخرجه النسائي في سننه [كتاب الزكاة، من سأل بوجه الله عز وجل (5/82 رقم 2568)]، وابن ماجة في سننه [كتاب الحدود - باب المرتد عن دينه (2/848 رقم 2536)]، أحمد في مسنده [أول مسند الكوفيين، حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه (5/4رقم 20049)] كلهم من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. 
([21]) أخرجه أبو داود في سننه [كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود (4/155 رقم 1604)] من حديث جرير بن عبد الله، صححه الألباني في كتابه صحيح أبي داود برقم (2304) دون الأمر بنصف العقل.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام