هل الاستماع إلى الدروس عبر القنوات والأشرطة يعد مجلس علم؛ يستحق أن يكون ممن يقال لهم: قوموا مغفورًا لكم
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 704: شيخنا الكريم -حفظكم الله- نحن في المغرب نفتقر إلى الدروس العلمية في المساجد، أعني دروس العلماء وطلبة العلم من أهل السنة والجماعة، لا دروسَ أهلِ البدع والانحراف، وعقيدة الأشاعرة والمتصوفة، أعاذنا الله منهم.
لكن فتح الله علينا بهذه القنوات الفضائية؛ مثل الأثر وغيرها من القنوات الإسلامية، التي هي على منهج أهل السنة والجماعة، وكذلك الإنترنت.
فسؤالي هو: من خلال متابعتي للدروس العلمية والمواعظ الشرعية -وأنا جالس في بيتي أشاهدها وأستمع إليها- هل أكون ممن يقول الله لهم بعد انتهاء الدرس: قوموا لقد غفر لكم ما تقدم من ذنبكم، كما جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك عندما أستمع من خلال شريط سمعي، وأستمع إلى القرآن الكريم، هل لي أجرٌ، كما في الحديث النبوي، وجزاكم الله خيراً؟
ج 704: نسأل الله -عز وجل- أن يثبتك على مواصلة طلب العلم، وأن يفتح عليك كما فتح على العلماء وطلاب العلم قبلك، وأن يجعلك من المخلصين الصادقين، اللهم آمين.
وإنه لينبغي لمن أحب العلم وأراد أن ينفع الأمة أن يسعى لطلب العلم، ولو من خلال الأشرطة السمعية؛ فقد حدثني شيخنا سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ –حفظه الله- أنه لم يطلب العلم عند الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله-، وإنما طلب العلم عند غيره من العلماء، ولكنه كان يسمع أشرطته فاستفاد منها كثيراً.
فالأخذ بالأسباب لمواصلة طلب العلم مطلوب.
وأما عن سماعك للأشرطة السمعية التي فيها ذكرُ الله وطلب العلم، وكذا الدروس الشرعية والمحاضرات ونحوها عبر القنوات الشرعية المحافظة وكذا سماع القرآن، هل يدخل في حديث أنس الذي أخرجه أحمد في مسنده، أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللهَ، لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلَّا وَجْهَهُ، إِلَّا نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ، قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ"([1])؟
فالجواب: أن الحديث عامٌّ يشمل القوم المجتمعين والمنفردين، وإن كان يغلب على كلام أهل العلم أن هذا الحديث في الجماعة وليس في الفرد؛ لأنه جاء بلفظ الجمع فقال "قوم" وقال "قوموا"، ولعل المنفرد يدخل إن شاء الله.
وإذا فرضنا أنه لا يدخل في هذا الفضل، فيكفيه شرفاً أنه يدخل في الخبر الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة –رضي الله عنه- مرفوعاً: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة"([2])، وكذا حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- عند أحمد والأربعة، أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؛ إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر"([3])، ونسأل الله أن ينالك الخير والفضل بطلبك للعلم، وأن يرزقك الإخلاص فيه.
وأريد أن أنبه السائل في سؤاله عن نقله؛ فإنه لا يصح حديث باللفظ الذي ذكره وهو قوله: "قوموا لقد غفر لكم ما تقدم من ذنبكم"، وبالله التوفيق.
[1] أخرجه أحمد في "المسند" [مسند أنس بن مالك –رضي الله عنه- (19/ 437 رقم 12452)] من حديث أنس.
[2] أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار- باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (4/ 2074 رقم 2699)].
[3] أخرجه أحمد في المسند، (36/ 46 رقم 21714)، وأبو داود في السنن [كتاب العلم - باب الحث على طلب العلم (3/354 رقم 3643)]، والترمذي في سننه [كتاب العلم - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة (4/396 رقم 2661)] ، وابن ماجه في سننه ، واللفظ له، في [المقدمة - بَاب فَضْلِ الْعُلَمَاءِ وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ (1/213 رقم 223)].