الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 384

رسالة إلى إعلامي ملحد
من عقل يخاطب عقلا، لا من خصم يتربص

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


راقبت عن كثب بعض الإعلاميين العرب الذين أعلنوا إلحادهم، وسخروا من الدين، وأنكروا وجود الله، وادعوا أن الرسول عبقري فذ، وأن القرآن من تأليفه، بل تجاوزوا ذلك إلى دعوة المسلمين إلى الكفر والارتداد، ثم قالوا: خاطبونا بالعقل، لا بالدين، فنحن لا نؤمن به.

فأقول: أبشروا، هذا ما أردتم.

لكن المؤسف أن كثيرا من هؤلاء، حين تعرض عليهم مناقشة عقلية، يترددون، أو يعتذرون، أو يهربون، رغم أن العقل كان شرطهم. وبعضهم يشترط أن يكون الحوار على الهواء على قناة فضائية أو أمام جمهور منصات التواصل، مع أنه يعلم أن الباحث الصادق عن الحق لا يضع الجماهير شرطا للهداية، والحق لا يحتاج جمهورا ليظهر، بل يحتاج قلبا صادقا، وذهنا مفتوحا.

أيها الإعلامي الملحد: دعنا نبدأ من حيث تريد: العقل، والمنطق، والفكر الحر.

وسأطرح عليك أسئلة مجردة من النصوص، والدوافع الدينية، ومن كل ما قد تراه عاطفيا أو إيمانيا. أسئلة من عقل لعقل حسب شرطك:

أولا: هل يمكن أن يأتي شيء من لا شيء؟

أنت تدير البرامج، تعد الحلقات، تضبط الإضاءة والمونتاج، فهل تتخيل أن حلقة إعلامية يمكن أن تخرج للناس دون مخرج وفريق وإعداد؟

فكيف قبلت أن هذا الكون العظيم، الدقيق، المنظم، ظهر من تلقاء نفسه من لا شيء؟

كل عقل على وجه الأرض يرفض أن يخرج نظام من فوضى، أو وجود من عدم.

العدم لا يلد شيئا. والصدفة لا تصنع قانونا. والمادة الصماء لا تخلق عقلا ناطقا ناقدا.

ثانيا: من وضع القوانين الدقيقة للكون؟

قل لي: من سن قانون الجاذبية؟ من ضبط مسار الكواكب؟ من منع القمر من الاصطدام بالأرض؟

من الذي جعل الذرات تسير وفق أنماط لا تحيد عنها؟

هل تقول: الطبيعة فعلت ذلك؟!

لكن ما هي الطبيعة؟ أليست مجرد وصف؟ فكيف يشرع الوصف قوانين؟ وكيف تنتظم المادة بلا عقل ناظم؟

النظام يدل على منظم. والقانون يدل على مشرع. وهذا أول ما يتفق عليه العقلاء.

ثالثا: إذا كنت مادة، فلماذا تفكر وتعقل؟

أنت تحلل، تنتقد، تختار، تعترض، ترفض، تناقش، وهلم جرا.

هل هذه وظائف ذرات؟ أم أنها صفات عقلية معنوية؟

إذا كنت تؤمن أن الإنسان مجرد نتاج تطور فيزيائي عشوائي، فبأي منطق تثق بأحكامك العقلية؟ وبأي حق تطالب الناس بالاحتكام إلى عقلهم، وأنت تنكر أن هناك عقلا أصلا؟

من أين جاءت الحرية التي تدعو إليها إن كنت مجرد تفاعلات مادية لا اختيار لها؟

إذا لم يكن هناك خالق وهبك العقل والإرادة، فأنت مجرد آلة بيولوجية تتوهم أنها تفكر، بينما هي تفر فقط من الحقيقة.

رابعا: لماذا تبني مجدك على هدم يقين الناس؟

لو دعوت الناس للفلك، أو الكيمياء، أو الفيزياء، أو الأحياء أو الرياضيات لما تابعتك الجماهير، لكن حين تسخر من الله، وتنكر الغيب، وتستهزئ بالرسل، يتسابق إليك المتابعون، ويصنفونك كل بما يراه أو يخدمه.

فهل هذه حرية فكر؟ أم أنها شهرة مبنية على زعزعة الإيمان؟

هل حقا ترى أن من المنطق أن تقول للناس: "لا خالق، لا هدف، لا بعث، لا غاية"، ثم تمضي إلى سريرك كأنك لم تسقط مئات من الناس في هوة التيه واللاجدوى؟

ماذا قدمت لهم؟، هل خرجوا من عندك أكثر طمأنينة؟ أم أكثر ضياعا؟

خامسا: الشهرة لا تعني الصواب.

قد تفرح بأعداد المتابعين، وتفرح ببعضهم يقول: أنت حر، شجاع، ملهم.

لكن قل لي: هل الكثرة دليل على الحق؟

كم من جماهير صفقوا للكذب، وهاجموا الصدق.

القيمة لا تقاس بعدد من يصفق لك، بل بصدق ما تقول.

سادسا: إن كنت حرا، فجرب لحظة صدق.

ابتعد عن الجمهور، المنصة، الشهرة، التعليقات، الإعلانات.

اجلس وحدك، وسل نفسك:

هل كل شيء جاء من لا شيء؟

هل عقلي مجرد صدفة بيولوجية؟

هل وجد هذا الكون بلا حكمة، ولا عدل، ولا خالق؟

هل الإلحاد أجاب عن الأسئلة الكبرى في حياتي، أم زادها تيها وغموضا؟

إن كنت صادقا، فستعلم أن الإلحاد ليس فكرا نقيا، بل هروب من الحقيقة، وغفلة مغلفة بالضجيج.

أيها الإعلامي الملحد: من قلب مشفق، إني لا أكتب إليك شماتة، ولا أهاجمك من منصة، بل أخاطب فيك إنسانا ضل طريقه، وأرجو أن يعود، فرجوعك إلى الحق ليس هزيمة، بل رجولة.

وإنابتك ليست ضعفا، بل وعي ونضج.

والتسليم لخالقك ليس انتحارا عقليا، بل حياة لعقلك وروحك.

فكر، فقط فكر.

ولو مرة واحدة، بلا جمهور، بلا إعلان، بلا تحفز، فكر بصدق.

لعل الله أن يهديك، فترى النور من جديد، وتريه لغيرك بعد أن عرفته.

حرر بتاريخ 18 محرم 1447 هجرية.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام