الأربعاء 26 ذو القعدة 1447 هـ || الموافق 13 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 627

اخرسوا يا دعاة التصوف، فما البطل صلاح الدين الأيوبي ولا الظاهر بيبرس ولا يوسف بن تاشفين ولا محمد الفاتح ولا خير الدين بربروس ولا عبد القادر الجزائري ولا عمر المختار ولا عبد الكريم الخطابي ولا عز الدين القسام دعاة تصوف وطرق وبدع امثالكم، بل قادة ميادين ونصرة لا قادة رقص وشركيات وترنح وهز رؤوس وعبادة قبور، فيكفي كذبا، وزيفا للتاريخ [التصوف والتاريخ بين الحقيقة والدعاية]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


 لقد وقفت على مقال كتبه أحد المتصوفة ممن لا يحسنون الإملاء والنحو، يزعم فيه زورا وبهتانا أن أهل البدع والضلال وعباد القبور، أتباع الطرق الصوفية، كانوا عبر القرون حماة الأمة والمدافعين عن شرفها، وأنهم من قهر الصليبيين والمغول، وواجه الاحتلالات الأوروبية، وأن الأمة في ظلهم كانت بخير.

ثم لم يكتف بهذا، بل رمى أهل السنة والتوحيد بالجبن والخذلان، وأنهم كانوا مختبئين في جحورهم لا يجيبون داعي الجهاد ولا ينهضون للدعوة!

وقد حشر في مقاله أسماء شخصيات كما هي مذكورة في عنوان هذا المقال، محاولا أن يجعلهم أدلة على مزاعمه الواهية.

وهذه الكلمات التي يرددها هذا الببغاء في مقاله، كثيرا ما سمعتها من علي الجفري - الملبوس بالجان الذي قبل به - كي ينطق على لسانه متكلما فصيحا بدلا عنه وقت محاضراته ودروسه ولقاءاته وهزاته ورقصه.

علي الجفري يعد من غلاة الصوفية القبورية المشركة في زماننا، وهو يزعم: أن الولي له حق التصرف في الكون، وله عظائم كبرى يطول ذكرها، سبق أن جمعها بعض الفضلاء من صوتيات الجفري، منهم الشيخ حسن الحسيني.

إن الجفري وأمثاله من غلاة الصوفية - أصحاب التخرص والفجور - يحاولون نسب البطولات والإنجازات العظيمة للأمة إليهم، يروجون لمغالطات تاريخية خطيرة ويزينون للناس خرافات وشركيات، فيحولون الدين إلى شعائر شكلية وأوهام بصرية، بدلا من أن يكون منهجا قائما على التوحيد والعمل الصالح والجهاد الحق، رغم أن الطرق الصوفية لم تظهر إلا في القرن السادس والسابع الهجريين، وكانت قد ظهرت بمعناها التنظيمي في القرن الخامس: على هيئة شيخ يتبعه مريدون، ولهم أوراد وأذكار خاصة، وسلسلة (إسناد) يتناقلونها، وأحيانا خلوات وزوايا خاصة، ثم في القرن السادس والسابع وما بعدهما: ظهرت الطرق الصوفية في العالم الإسلامي، وكثر المريدون، وتعددت الزوايا والتكايا، مثل: النقشبندية، الرفاعية، التيجانية، البدوية… إلخ، وأصبح لكل طريقة أوراد خاصة وشعائر مميزة، وفيهم ظهرت بدع الرقص والترنح في حلقات الذكر وعبادة القبور والاعتقاد بقدرة الأولياء على التصرف في الكون ونحوها من الكفريات.

فمن أين تظهر لهؤلاء بطولات وانتصارات ودول ومنعة وعزة، وهم من شوهوا صورة الدين وعلقوه بالخرافات والكذب والزيف.

الحقيقة تقول إن النهضة قامت على علم الكتاب والسنة وفق ما فهمه الرعيل الأول، لا وفق زوايا ودور الخرافات الصوفية.

اصحاب الطرق الصوفية لا دور لهم في إنكار المنكرات، ولا الأمر بالمعروف، ولا مشاركة المجتمعات في مشاكل الأمة، وهذا ما يحكيه لنا التاريخ، وهو عين ما نلاحظه اليوم عليهم في بلداننا العربية والإسلامية غير ما نعرفه عنهم من الانزواء والبدع والشركيات وإفساد المجتمع بالضلالات.

فلا يمكن المزج بين البطولات الحقيقية للأمة وبين بدع الطرق الصوفية المقيتة، وكل محاولة لتقديم هذه الطرق على أنها سبب في نهضة الأمة هي تزوير للتاريخ وتشويه للحقائق، وتلاعب بوعي الناس، وتهوين من قيمة دماء الشهداء ومن الجهاد الحقيقي للأبطال.

وقد طلب مني بعض طلاب العلم أن أرد على هذا المقال، كاشفا ما فيه من المجازفات والمغالطات والأباطيل، فأجبتهم موجزا ذلك في المحاور التالية:

أولا: حقيقة الدعوى.
انتشرت في زماننا مقالات تزعم أن قادة الإسلام الكبار – كصلاح الدين ومحمد الفاتح ويوسف بن تاشفين ونحوهم مما في عنوان هذا المقال – إنما كانوا صوفية، وأن انتصارات الأمة ما كانت إلا ببركة التصوف وطرقهم المبتدعة، ثم يقابَل ذلك باللمز في أهل السنة وأهل التوحيد بأنهم: جبناء مختبئون!

وهذه الدعوى، وإن كانت تطرح في ثوب الدفاع عن مجاهدين عظام، إلا أنها في حقيقتها محاولة لتوظيف التاريخ لنصرة البدع، وتشويه صورة أهل السنة، وطمس معالم التوحيد الخالص.

ثانيا: النصر ليس معيار العقيدة.

النصر قد يتحقق لأسباب دنيوية أو لأسباب جزئية من الخير، ولا يعني ذلك صحة كل ما يعتقده المنتصر.

فجنكيز خان – وهو كافر وثني – فتح الدنيا شرقا وغربا، فهل كان على الحق؟!

والروم غلبوا الفرس، كما ذكر القرآن في سورة الروم، ومع ذلك لم يكن انتصارهم دليلا على صحة دينهم.

والفرقة الإثنا عشرية الرافضية تحكم اليوم إيران وتفرض المذهب الرافضي الإثني عشري على الشعب الإيراني، والحوثيون الرافضة أخذوا حكم اغلب شمال اليمن بالمكر والخديعة، فلا يعني انهم على الحق وخصوصا أن بطلان عقيدتهم ظاهر، وفجورهم مشهود، وهلم جرا.

ثالثا: حقيقة هؤلاء القادة بإيجاز:

الأول: يوسف بن تاشفين.

قال ابن خلكان في الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (2/57): (كان أمير المسلمين يوسف بن تاشفين حازما، سائسًا للأمور، ضابطا لمصالح مملكته، مؤثرا لأهل العلم والدين، كثير المشورة لهم).

وقال أبو القاسم العاملي في كتاب سيرة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين (ص81):(كان يفضل الفقهاء، ويعظم العلماء، و يصرف الأمور إليهم، و يأخذ فيه برأيهم، ويقضي على نفسه بفتياهم).

فهذا يرد دعوى أنه كان صوفيا طرقيا، ولا يصح في المصادر الموثوقة شئ من ذلك.

2- يوسف الملقب بصلاح الدين الأيوبي.

الف بهاء الدين ابن شداد وكان ممن عاش مع صلاح الدين الأيوبي كتابا في سيرته بعنوان: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ولم يذكر عنه انه من أصحاب التصوف والطرق، بل وصفه بحب العلم والعلماء وأنه كان يحرص على مجالستهم ويحث الناس على ذلك، قال ابن شداد (ص36 وما بعدها بتصرف): (كان رحمه الله تعالى يحب سماع القرآن العظيم، ويستجيد إمامه، ويشترط أن يكون عالما بعلم القرآن العظيم متقنا لحفظه،...وكان رحمه الله تعالى خاشع القلب رقيقه غزير الدمعة إذا سمع القرآن، ..شديد الرغبة في سماع الحديث، ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه، فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه المختصين به، وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالا له،..وكان يستحضرني في خلوته ويحضر شيئا من كتب الحديث ويقرؤها هو، فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه ودمعت عينه،..وكان رحمة الله عليه كثير التعظيم لشعائر الدين.. مبغضا للفلاسفة والمعطلة ومن يعاند الشريعة).

وترجم له علماء ممن عاشوا زمانه، وخلاصة ما ذكروه أنه: 

كان قائدا محبا للعلماء يعظمهم ويقربهم ويستشيرهم، وكانت بيئته التي يعيش فيها أشعرية كما كان زمن الإمامين النووي وابن حجر من بعده، والبيئة لها أثرها، فلم يكن عالما حتى نحاكمه على أشعريته، وقد اعتقد العقيدة الأشعرية باعتبار ان من عاش في بيئته كانوا يرونها عقيدة السلف اجتهادا وخطأ منهم، و كان أميرا ناجحا في مهمته فأسقط دولة البدعة والضلال الدولة الفاطمية الشيعية، وانتصر على الصليبيين وطردهم وحرر بيت المقدس.

أما نسبته للطريقة القادرية أو غيرها، فهي دعاوى متأخرة لا تثبت بالأسانيد الصحيحة.

3.السلطان الظاهر بيبرس.

ترجم له أهل عصره ومن بعده: وخلاصة ما قالوا عنه أنه: كان قائدا مملوكيا مجاهدا، نصر الله به الدين وهزم الصليبيين والمغول، ولم يثبت في كتب عصره أنه كان أشعريا أو صوفيا.

صحيح أنه أكرم العلماء وأوقف الأوقاف للزوايا والخانقاهات، لكن ذلك كان جزءا من سياسة الحكم لا دليلا على انتمائه لطريقة معينة.

فالقول بانتمائه للتصوف، وأنها على إحدى الطرق بهتان ودعوى بلا برهان.

4- محمد الفاتح

ترجم له كثيرون في عصره وقالوا: نشأ في بيئة ماتريدية، وقد فتح القسطنطينية ولم يقولوا فتحها بالطرق الصوفية، ولم يذكروا له طريقة في ذلك البتة، وقد كان ببشارة الحديث الذي في المسند وغيره، وفي الحديث عندي نظر: (لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش).

فلا يعد في المصادر التاريخية من الشخصيات التي ارتبطت بالتصوف ارتباطا مباشرا، بل عرف أساسا بصفته أحد كبار سلاطين الدولة العثمانية، حيث اهتم بالفقه والعلوم وساهم في نشر الإسلام وتقوية أركانه، وكان يعد في زمانه من العلماء.

ورغم وجود بعض المزاعم التي تحاول نسبته إلى الصوفية استنادا إلى أوقافه وأعماله الخيرية، إلا أن هذه المزاعم تظل غير مؤكدة، ولا يوجد ما يثبت انتماءه إلى طريقة صوفية بعينها.

5.خير الدين بربروس.

ترجم له أهل عصره وذكروا عنه أنه: كان قائدا بحريا عثمانيا عظيما، نصر الله به الإسلام في البحر الأبيض المتوسط.

قاد الأساطيل ضد الإسبان والصليبيين، وحمى سواحل المسلمين من الغزو.

ولم يثبت في المصادر المعتبرة أنه كان أشعريا أو صوفيا.

وأما تكريمه لبعض المشايخ أو إنشاؤه للأوقاف فلا يدل على انتمائه للطرق الصوفية فهي مجرد دعاوى بلا دليل.

وأما الأمير عبد القادر الجزائري، وعمر المختار، وعبد الكريم الخطابي، وعز الدين القسام فهؤلاء الأربعة هم أعلام الجهاد في العصر الحديث، وقد قادوا حروبا ضد الاستعمار الفرنسي والإيطالي والإسباني والبريطاني في الجزائر وليبيا والمغرب وفلسطين، وقد نشؤوا في بيوت علم وصلاح، وحفظوا القرآن الكريم، وتفقهوا في الشريعة، وتأثر بعضهم بالبيئة الدينية المحلية التي كان يغلب عليها وجود الطرق الصوفية، لكن تأثير ذلك كان في إطار التربية، لا في الدعوة إلى التصوف ولا في التفرغ له.

ومثلهم قادة مناطق الجزائر في القرن التاسع عشر: الشيخ المقراني، والحداد، ولالة فاطمة نسومر، والشيخ بوعمامة، والشيخ بوزيان القلعي، والشيخ أحمد بوزيان، هؤلاء جميعا حملوا السلاح ضد الاحتلال الفرنسي، فالتف الناس حولهم لما كان لهم من مكانة دينية واجتماعية في مناطقهم بالجزائر، فواجهتهم فرنسا بالقمع والقتل والنفي.

أما ما يروج من ربطهم بالطرق الصوفية، فليس دقيقا موثقا إذ إن جهادهم لم يكن صوفيا ولا قائما على طرق أو مجالس، بل كان إسلاميا خالصا دفاعا عن الدين والوطن والكرامة.

نعم، اشتهر المقراني والحداد بارتباط نسبي بالطريقة الرحمانية، لكن حربهما ضد الاستعمار لم تبن على التصوف، وإنما على روح الجهاد.

ولم يعرف عن هؤلاء القادة شركيات أو طواف بالقبور أو استغاثة بالأولياء، ولا كانوا دعاة لوحدة الوجود أو الحلول أو الغلو الصوفي، بل كانوا رجال ميدان، يجمعون بين التقوى والشجاعة، وبين العلم والقيادة، حتى صاروا قدوة للأمة في الثبات.

لقد خلدهم التاريخ من أجل جهادهم وتضحياتهم وصبرهم وعدلهم، لا من أجل انتساب إلى طريقة صوفية، فذكرهم ارتبط براية الإسلام والجهاد، لا بالرقص على الدفوف ولا بالخرافات الصوفية.

وأما عمر الفوتي فنعم كان قائدا مجاهدا في غرب إفريقيا ضد الاستعمار الفرنسي، وأقام دولة قوية، وكان على الطريقة التيجانية الصوفية، ونشرها وكتب في الدفاع عنها لأنها السائدة في زمانه، ومثله شامل الداغستاني كان قائدا مجاهدا في القوقاز، قاد شعبه أكثر من ربع قرن ضد الغزو الروسي، وقد انتمى للطريقة النقشبندية الصوفية، فجمع بين الجهاد والسياسة والتصوف.

وهاتان الشخصيتان لا يعنيان أن الله نصرهما لصحة ما كانا عليه، وقد تم بيان ذلك فأغنانا عن التكرار.

رابعا: أين قادة أهل السنة؟

الطعن في أهل السنة بأنهم جبناء مختبئون باطل:

فمن الذي فتح فارس والروم في عهد الصحابة؟ أليسوا أهل السنة؟

من الذي نشر الإسلام شرقا وغربا قبل أن توجد الطرق الصوفية المبتدعة أصلا؟ أليسوا أهل السنة من أهل الحديث والفقه؟ - حيث لم تظهر وتبتدع الطرق الصوفية إلا في القرن السادس والسابع الهجريين، وكانت في هذين القرنيين أحسن حالا مما هي عليه اليوم في زماننا، كما تقدم.

من الذي ثبت أمام التتار في معركة شقحب (عام 702هـ)؟

لقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية على رأس الجيش، حتى قال بعض أهل عصره: ثبت المسلمون بثبات شيخ الإسلام.

فتوحات أهل السنة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام مشهودة مشكورة ضد بيزنطة والفرس والبربر والقوط في العهدين الراشدي والأموي، والتي كان من نتائجها سقوط مملكة الفرس وفقدان البيزنطيين لأقاليمهم في الشام وشمال أفريقيا ومصر إضافة إلى نشر الإسلام واللغة العربية في تلك البقاع.

وكذا فتوحات وحروب قادة أهل السنة في العهد العباسي ضد الإمبراطورية البيزنطية في آسيا الصغرى، وشبه القارة الهندية وكشمير، والسند وكابول إلى بلاد المغرب ومنها الأندلس، واين فتوحات وحروب قادة أهل السنة في عصور ما بعد الدولة العباسية، بل إن الخلافة العثمانية التي ظهر فيها التصوف لم يكن قادتها اهل طرق وزوايا وإنما اتخذوها من سياسة الدولة كمرجعية روحية شكلية كما هو حال الرئيس التركي عبدالله كول، وخليفته من بعده طيب رجب اردغان، ومثل ذلك بعض دولنا العربية، فلا تصوروا القادة والحكام على مدار التاريخ بأنه قاموا دولهم وحروبهم بفضل التصوف والطرق الصوفية المبتدعة، واحترموا عقول الناس وخاصة الطبقة المتعلمة لأنها تعلم كذبكم وتزويركم للتاريخ قديما وحديثا.

خامسا : النصر والفتح بيد الله لا بالطرق.

الذي يفتح البلاد وينصر العباد هو الله وحده، وليس التصوف ولا غيره.

قال الله تعالى: (وما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم).

ولو كان التصوف ببدعه هو سبب النصر، لكان أولى أن ينصر الله أصحاب الموالد والأضرحة اليوم، لكنهم مستضعفون مهزومون لا قيمة لهم اليوم في مجتمعاتنا الإسلامية، بينما النصر يعطى لمن تمسك بالحق وبذل السبب.

قال الله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام