وحدة الصف واجبة شعوبا وحكومات
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
في زمن تموج فيه الفتن، وتتعاقب فيه التحديات، وتتكالب فيه الأعداء من كل صوب وحدب، لا ملجأ لأمتنا إلا بالاعتصام بحبل الله المتين، ووحدة الصف بين الحاكم والمحكوم.
فهما كالجسد الواحد؛ إن اعتل عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.
وليس للأمة منعة ولا عزة ولا كرامة إلا إذا كان قادتها وشعوبها يدا واحدة، تتكامل فيها المسؤولية، وتلتقي فيها الحكمة مع الوفاء، وتترسخ فيها الثقة المتبادلة، عندها يرد كيد العدو، ويحمى الوطن، وتزدهر الحضارة.
قال الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).
وهذه دعوة ربانية جامعة، تحمل في طياتها حكما شرعيا وسياسيا واجتماعيا: ثقافة الوحدة والتكاتف هي الحبل الذي يجمعنا ويحمينا من نزغات الأعداء ومحاولات تفتيتنا.
إن من أهداف الأعداء وخصوصا أمريكا والصهاينة أن يجعلوا الراعي والرعية في شجار دائم فتضعف الدولة وتهترئ المنعة ونصبح لقمة سائغة لمن يريدنا ذرا يتقاطر.
فلا ينبغي لنا أن نلبي رغباتهم بطرق مباشرة ولا نمنحهم ما يريدون عبر تخلينا عن العقل والحكمة.
قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
فالتعاون مطلوب — ولكن على البر والتقوى لا على الفتن والانقضاض.
واجب العلماء والدعاة واضح وجلي: أن يقودوا حملة توعية تربوية رشيدة، أن يذكروا الناس بما يجمعهم من عقيدة وقيم، وأن يدعوا إلى الحكمة والموعظة الحسنة، لا إلى التطرف أو التكفير أو السخرية التي تسعد العدو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (الدين النصيحة، قيل: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
فالنصيحة واجبة على العلماء والدعاة بحيث تكون خيرية، بناءة، متعقلة لا مهينة ولا محرفة.
والعهد على الحكام كذلك عظيم: حماية الدين والناس والأوطان، وإرساء العدالة، والسماع لنداء الشعوب بعقل ورأفة.
يا أمة الإسلام: لكم دور واضح وملح: لا تحيدوا عن الطريق بتهور أو عصيان، فالإصلاح يكون بالحكمة والموعظة الحسنة، تلكم الطريقة التي تحفظ الأمن والبناء، لا بتغرير الأعداء أو بفساد الداخل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا).
فلتكونوا دعامة لا سببا لهدم بعضكم بعضا.
التاريخ يعلمنا دروسا قاسية: أمة متفرقة تفنى سريعا، وأمة متحدة تشرق وتعلو.
أمم كثيرة انتهت لأن نسيجها الاجتماعي والسياسي تعرض للتمزق الداخلي والاستعمار الخارجي.
ومن رحم التاريخ نستفيد أن الوحدة ليست مجرد كلمة إنشائية، بل هي برنامج عملي يبدأ بالصدق في النوايا والعدالة في الحكم والإنصاف في الخطاب والحوار المفتوح بين أهل الرأي والعلم والقيادة.
ولذلك أدعو: العلماء والدعاة أن ينهضوا بدورهم في إصلاح النفوس وتهذيب الخطاب، وأن يجعلوا من القرآن والسنة منهلا للحكمة لا سلاحا للتضاد.
كما يجب على الحكام أن يتحملوا المسؤولية بإنصاف وعدل، وأن يستمعوا إلى هموم شعوبهم، فالأمن لا يبنى إلا بالثقة المتبادلة.
كما يجب على الشعوب أن ترفض الصراعات الطائفية والمنازعات الداخلية التي تغذيها جهات خارجية لا تريد خيرا لأوطاننا.
أمريكا والصهاينة لا يريدون لنا ولا لحكامنا خيرا، والواقع أكبر شاهد على ذلك.
لا بد أن نعي هذا ونوحد جهودنا حكاما ومحكومين ضد كل عدو يتربص بنا وبأوطاننا، ويحاول أن يستغل فرقتنا لصالحه.
إن وثاق الأمة يشده التآلف والتعاون على ما يقويها من علوم واقتصاد وأخلاق.
فليكن شعارنا العمل الصادق والحوار البناء والنية الصافية.
نسأل الله أن يجزي العلماء المصلحين خيرا على نصحهم، وأن يوفق الحكام لصلاح أمور العباد والبلاد، وأن يعيد لأمتنا عزها ومجدها بما يرضاه سبحانه.
اللهم اهد قادتنا وعلماءنا وشعوبنا إلى ما تحب وترضى واجمع كلمتنا على الخير والثبات.
والله من وراء القصد.