السبت 29 ربيع الآخر 1443 هـ || الموافق 4 دجنبر 2021 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 4587

مصادر الأصول الخمسة التي خالف فيها الإخوان المسلمون أصول ومنهج أهل السنة والجماعة

(ضمن سلسلة مقالات متنوعة)
الحلقة رقم (41)
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني

اتصل بي بعض المشايخ الفضلاء، وقالوا: لو زدت تعقيبك على مقال الشيخ أبي الحسن السليماني الذي كان بتاريخ 24 رجب 1439هـ ما يؤكد أن هذه الأصول الخمسة التي خالف فيها الاخوان المسلمون أصول أهل السنة والجماعة موجودة لدى الاخوان المسلمين في كتبهم ومقالاتهم وندواتهم المسجلة لكان أوثق وأفضل حتى لا يكون للمشككين سبيل، فقلت لهم كان التعقيب على عجالة وكان المقصود منه الإيجاز، ووعدتهم بما طلبوا رغم كثرة المشاغل، وهانا في هذا المقال ألبي الطلب بإيجاز حتى لا أطيل عليكم:

الأصل الأول: الإمامة والبيعة لأمير الجماعة في الحضر عند الاخوان المسلمين، وأنه لا ولاء ولا بيعة عندهم لأي حاكم إلا من باب السياسة والتقية:

وإليكم هذه المصادر المؤكدة لهذا الأصل:

يقول مؤسس الجماعة الأستاذ حسن البنا رحمه الله كما في كتابه "مجموعة رسائله (ص390): “أيها الإخوة الصادقون أركان بيعتنا عشرة فاحفظوها: الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطاعة، والثبات، والتجرد، والأخوة، والثقة” اهـ

وقال رحمه الله كما في مجموعة رسائله (ص274): “ونظام الدعوة في هذه المرحلة صوفي بحت من الناحية الروحية، وعسكري بحت من الناحية العملية، وشعار هاتين الناحيتين دائمًا، أمر وطاعة من غير تردد، ولا مراجعة، ولا شك، ولا حرج” اهـ.

وقال أيضاً رحمه الله كما في كتاب الطريق إلى جماعة المسلمين (ص361): “ليس لنا ولاء لأي حكومة” اهـ.

وقال القيادي في جماعة الاخوان المسلمين سعيد حوى رحمه الله في كتابه المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين (ص294): “إن الجماعة بعد سيرها الطويل وتحملها الكثير أصبحت تاريخياً هي وحدها صاحبة الحق في الإمامة ولا نزكي على الله أحداً” اهـ

وقال رحمه الله في الكتاب نفسه (ص29): “إن جماعة الإخوان لا غيرها هي التي ينبغي أن يضع المسلم يده في يدها” اهـ.

وقال رحمه الله في كتابه من أجل خطوة إلى الأمام (ص40): "وإذا كانت هذه الجماعة هذه شأنها فلا يجوز الخروج عليها، قال عليه السلام: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"اهـ.

ويصور المرشد الثالث للإخوان المسلمين عمر التلمساني في كتابه ذكريات لا مذكرات (ص56) كيف يكون الخضوع في البيعة لمرشد الجماعة، حيث صوَّر نفسه كيف يكون في مجلس أميره الاستاذ حسن البنا فقال: "وكنت أرى وأسمع وأفكر بعين فضيلته وآذانه وعقله لثقتي المطلقة في صواب كل ما يرى، وقد يكون في هذا شيء من الخطأ أو الغاء الشخصية عند بعض الناس، ولكنى كنت معه كالميت بين يدى مغسله، وكنت سعيدا بهذا كل السعادة "اهـ .

وأما صيغة البيعة عند الإخوان المسلمين فأشهرها في معظم البلدان صيغتان:

الصيغة الأولى وهي الأشهر، وقد  نقلها لنا المنشق عن الجماعة "عضو مكتب الإرشاد العالمي السابق عن فرع الأردن الدكتور بسام علي سلامة العموش"، وتولت صحيفة الشرق نشر نص هذه البيعة بتاريخ 15 ديسمبر عام  ٢٠١٢م - العدد ٣٧٧، وإليكم نصها: "أبايعك بعهد الله وميثاقه على أن أكون جندياً مخلصاً في جماعة الإخوان المسلمين، وعلى أن أسمع وأطيع في العسر واليسر والمنشط والمكره إلا في معصية الله، وعلى أثرة عليّ، وعلى ألا أنازع الأمر أهله، وعلى أن أبذل جهدي ومالي ودمي في سبيل الله ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، والله على ما أقول وكيل، (فمَن نكث فإنما ينكُث على نفسه ومَن أوفى بما عاهد عليه اللهَ فسيؤتيه أجراً عظيماً)".

الصيغة الثانية: مذكورة في كتاب قانون النظام الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين وشعبها (ص7) وإليكم نصها: “أُعاهد الله العلي العظيم على التمسك بدعوة الإخوان المسلمين، والجهاد في سبيلها، والقيام بشرائط عضويتها، والثقة التامة بقيادتها، والسمع والطاعة في المنشط والمكره، وأقسم بالله العظيم على ذلك، وأبايع عليه، والله على ما أقول وكيل”.

ولعلم الجميع أن كل من أراد أن يخلع البيعة تائباً إلى الله يخاف من أذى قيادة الإخوان وأعضائها، وإليكم الدليل على ذلك، علماً أني قد قابلت بعض من انشق من الجماعة بعد البيعة، وقد شكوا لي ما لاقوه من الأذى الذي أقله التهم الجائرة مثل فلان المنشق يعمل مع المخابرات، ومدسوس، وماسوني، وعميل للدولة الفلانية، ونحوها من التهم: يقول القيادي في جماعة الاخوان المسلمين محمود الصباغ في كتابه التنظيم الخاص (ص138 ): “إن أي خيانة أو إفشاء سر بحسن قصد أو سوء قصد يعرض صاحبه للإعدام وإخلاء سبيل الجماعة منه مهما كانت منزلته ومهما تحصن بالوسائل واعتصم بالأسباب التي يراها كفيلة له بالحياة” اهـ.

الأصل الثاني: حصر وحدة الأمة في جماعة الإخوان، وأما غيرهم من المسلمين فإنه يوزن بميزان جماعة الإخوان لا بميزان الشرع مع البراءة منه إذا خالف جماعة الإخوان المسلمين.

وإليكم هذه المصادر المؤكدة لهذا الأصل:

قال الاستاذ حسن البنا رحمه الله في كتابه مذكرات الدعوة والداعية (ص232): “فدعوتكم أحق أن يأتيها الناس ولا تأتي أحداً، إذ هي جماع كل خير، وغيرها لا يسلم من النقص” اهـ.

وقال رحمه الله كما في "مجموع رسائله" (ص17): "وموقفنا من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر ففرقت القلوب وبلبلت الأفكار أن نزنها بميزان دعوتنا فما وافقها فمرحباً به، ومن خالفها فنحن براء منه"اهـ.

وقال القيادي في جماعة الاخوان المسلمين سعيد حوى رحمه الله في كتابه آفاق التعليم (ص5): "نبتت هنا وهناك أفكار مريضة تريد أن تتخلص من دعوة حسن البنا، ومن أفكاره فكان لا بد أن يعرف هؤلاء وغيرهم أن الانطلاقة على غير فكر الأستاذ البنا في عصرنا قاصرة أو مستحيلة أو عمياء إذا ما أردنا عملاً متكاملاً في خدمة الإسلام والمسلمين" اهـ

وقال رحمه الله في كتابه جولات في الفقهين الكبير والأكبر (ص79): ”ولا شك أن دور الجماعة قبل السلطة وبعدها هو المنظم لهذا كله، ونقصد بالجماعة المسلمين، ونعتقد أنه لا جماعة كاملة للمسلمين إلا بفكر الأستاذ البنا، وإلا بنظرياته وتوجيهاته التي في جملتها الحب لكل العاملين المخلصين" اهـ.

وقال القيادي في جماعة الاخوان المسلمين علي العشماوي كما في كتاب التاريخ السري لجماعة الاخوان المسلمين (ص 94، 95): "من أراد ان يلحق بنا فهو مسلم، ومن وقف ضدنا فقد حكم على نفسه بالكفر"اهـ.

 

وقال القيادي في جماعة الاخوان المسلمين جاسم المهلهل في كتابه للدعاة فقط (ص122): "بل دعوة الإخوان ترفض أن يكون في صفوفها أي شخص ينفر من التقيد بخططهم ونظامهم، ولو كان من أروع الدعاة فهماً للإسلام عقيدته وأنظمته وأكثرهم قراءة للكتب، ومن أشد المسلمين حماسة، وأخشعهم في الصلاة، فالإخوان لا يبالون بهم وهم بهذه المزايا إلا أن يتقيدوا بخطط الجماعة "اهـ

الأصل الثالث: الرضوخ للأنظمة والقوانين الوضعية المخالفة للنصوص الشرعية كالديمقراطية والتحاكم إليها وتمجيدها من دون الله.

وإليكم هذه المصادر المؤكدة لهذا الأصل:

يقول المؤسس الاستاذ حسن البنا رحمه الله في رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي (نقلاً من مقال الديمقراطية في فكر حسن البنا): "إن لب الديمقراطيات الاعتراف بسلطة الشعب, وحقه في أن يحكم بالنظام الذي يختاره ويرضاه"اهـ

وقال رحمه الله أيضاً عن دستور مصر الديمقراطي في عهد الملك فاروق كما في مجموعة رسائله (ص366): "إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافى مع قواعد الإسلام، وليست بعيدة عن الإسلام، ولا غريبة عنه"اهـ، وقوله هذا مدح مبالغ فيه للدستور المصري وهدم لأحكام الشريعة الإسلامية وذلك أن الدستور المصري ينص يومها كما في مواده رقم 12 وما بعدها على: " المساواة أمام القانون، وفي حرية الإعتقاد، وحرية الرأي، وحق الإجتماع... إلى آخره مما لا ينضبط بشريعة الاسلام"، ولا زالت هذه النصوص قائمة حتى هذه اللحظة، فمن يرضي حسن البنا بهذا القول؟!! ربه؟!! أو الملك فاروق لأجل بقاء تنظيم الاخوان في مصر؟!!!!!

ويقول عبد الخالق فريد عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين من خلال لقاء صحفي معه في مجلة المصور المصرية (عدد: 3217، 29/ رمضان/1406 هـ، 6/7/1986م): «إن لب الديمقراطية من صميم الإسلام».

وقال أيضاً كما في كتابه الإخوان المسلمون في ميزان الحق (ص295): «في رأينا أن حل الأزمة الاقتصادية يرجع إلى تعميق وإطلاق الحرية والديمقراطية، وعلاج مشاكلنا بمزيد من الديمقراطية».

وقال يوسف القرضاوي [وهو المرجعية الفقهية العليا لجماعة الاخوان المسلمين في عصرنا الحاضر، والقيادي الرئيس في ندوات الديمقراطية والشورى الإسلامية وحوار الأديان] من خلال كلمة له بمناسبة "الملتقى الثاني للديمقراطية والاصلاح السياسي" الذي عُقد بقطر في أوائل شهر يونيو عام 2004م، حيث قال: "الديمقراطية هي من روح الإسلام"، وقال أيضاً في المؤتمر نفسه ساخراً من علماء أهل السنة: " قال بعضهم إن الديمقراطية بدعة مستوردة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، قلت لهم لا،!! جوهر الديمقراطية ليس مستورداً، جوهر الديمقراطية هي الشورى، هي النصيحة في الدين، هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي حرية النقد والتعبير" اهـ.

وقال القرضاوي في كتابه من فقه الدولة في الإسلام (ص139): "جوهر الديمقراطية، فهو بالقطع متفق مع جوهر الإسلام" اهـ

وقال أيضاً في الكتاب نفسه (ص: 141): "فلا يلزم – إذن – من الدعوة إلى الديمقراطية اعتبار حكم الشعب بديلاً عن حكم الله، إذ لا تناقض بينهما"اهـ

 

وقال القرضاوي في "برنامج «الشريعة والحياة»، قناة الجزيرة بتاريخ 16 يناير عام 2011م: "ان الحرية عندي مقدمة على تطبيق الشريعة"اهـ.

الأصل الرابع: الخروج على الحكام المسلمين بالثورات والانقلابات موافقين بهذا الأصل الخوارج والجهمية والأباضية والرافضة.

والدليل على هذا الأصل: كتاباتهم وفتاواهم التي ملأت الدنيا بجواز ذلك من غير مراعاة للمصالح والمفاسد المترتبة على الخروج، وأكبر شاهد - ما رأيناه بأم أعيننا جميعاً – وهو : خروجهم في ثورات الربيع العربي عام 2011م، وتشجيع الأمة على ذلك معرضين عن فتاوى علماء الأمة الكبار في مشارق الأرض ومغاربها، متهمين علماء الأمة بأنهم علماء سلاطين وعلماء حيض ونفاس، ولا علم لهم بالواقع، وهكذا كل من يخالفهم رموه بسلسلة من التهم الجائرة، وقبل هذا، وذاك الثورة التي خرجوا فيها بسوريا أيام الطاغية حافظ أسد بحماة والذي قتل بسببهم حوالي مائة ألف سوري في حماة الجريحة، وقد زرت موضع هذه الجريمة بحماة بعد هلاك حافظ أسد.

يقول القيادي في جماعة الاخوان المسلمين محمد قطب أخو سيد قطب - رحمهما الله - في كتابه واقعنا المعاصر(صفحة 438 طبعة :1997م، طبعه الشروق): "تسبب الإخوان في سوريا في مقتل ما يقارب من ثمانين الى مائة وعشرين الف مسلم في حماه، وسيحاسبهم الله تعالى على هذا العبث " اهـ

ويدعو القيادي في جماعة الإخوان المسلمين عبد الله ناصح علوان شباب الإخوان وقياداتها إلى الاعتماد على الثورات الشعبية فيقول في كتابه عقبات في طريق الدعوة (2/408): "إنه لا يمكن للإسلاميين إلى إقامة حكم عن طريق الإنقلابات العسكرية، ولم يبق أمامهم من حل واقعي ومعقول سوى الاعتماد على الثورة الشعبية"اهـ

وهذا الأصل مبني عندهم على قاعدة المؤسس الاستاذ حسن البنا حيث قال لهم رحمه الله كما في كتاب الطريق إلى جماعة المسلمين (ص361): “ليس لنا ولاء لأي حكومة” اهـ.

الأصل الخامس: التحالف مع أعداء الدين لأجل الكرسي.

حيث تحالف الاخوان في دول كثيرة مع بعض الأحزاب القومية المنحرفة كالبعثية، والاشتراكية، والناصرية، ونحوها في كثير من الدول العربية، وسموه توافقا، ونادوا إلى الحريات واحترام الرأي والرأي الآخر بما لا ينضبط بضوابط النصوص الشرعية.

وهذا الأصل لا يحتاج إلى أدلة، لأنه واقع ومشاهد، نعرفه باليمن ومصر والعراق وليبيا ودول أخرى، وقد تكرر على مدار سنوات طويلة منذ حياة المؤسس حسن البنا حتى اللحظة، ولا ينكره عاقل، ولذا أغناني المعلوم والمقطوع به عن: أن أسرد أقوالهم ومقالاتهم ومقابلاتهم الصحفية والتلفزيونية والإذاعية، مكتفياً بالتاريخ السياسي للإخوان المسلمين، والمثقفون يعرفونه جيداً، وأكبر شاهد له تحالفات ثورات الربيع العربي،" أحزاب اللقاء المشترك باليمن أنموذجاً".

وبالعودة إلى بداية تحالفات الإخوان المسلمين مع الأحزاب المعادية لدين سأذكر لكم ثلاثة نماذج قديمة:

النموذج الأول: نجد أن الأستاذ حسن البنا رحمه الله مؤسس الجماعة أيد في أوائل شهر فبراير عام 1942م عميل بريطانيا وزعيم حزب الوفد المصري مصطفى النحاس باشا رئيساً للوزراء ضد إرادة الملك فاروق، كما تنازل عن الترشيح في البرلمان مقابل أن يسكت رئيس الوزراء عن تنظيم الإخوان، رغم أن بريطانيا فرضت النحاس بالقوة بعد اقتحامها باحة قصر عابدين بالقاهرة ورغم أن أغلبية المصريين ضد العميل البريطاني النحاس.

هذه هي المقايضة السياسية لمصلحة التنظيم على حساب الدين والمجتمع ليبقى التنظيم عند الإخوان فوق كل اعتبار ديني أو شعبي.

وانتهت هذه المقايضة بعقاب الله سبحانه حيث انتقم الملك فاروق من صنيع البنا وتأييده للنحاس وجميع خصومه باغتياله رحمه الله، بعد أن تكررت المشادة بين أتباع القصر الملكي وبين جماعة الإخوان وانتهت بقيام أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين باغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في 28 ديسمبر 1948م بحجة أنه قام بجريمة قرار حل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر عام 1948م، فتآمر القصر مع الحكومة الجديدة برئاسة إبراهيم عبد الهادي للانتقام من الإخوان، ودبروا اغتيال الاستاذ حسن البنا بتاريخ 12 فبراير عام 1949م أمام مقر جمعية الشبان المسلمين في شارع رمسيس ( الملكة نازلي سابقاً)، بسبع رصاصات استقرت في جسده، وتوفي بعدها بساعات في مستشفى قصر العيني، وقد كانت الجهة المنفذة كما في التحقيقات أحد أفراد المباحث الجنائية بوزارة الداخلية.

النموذج الثاني لتحالفات الإخوان قديماً: أن الاخوان قرروا الانتقام من خصومهم قتلة البنا الذين كانوا حول الملك فاروق وعاندوا لدرجة أنهم أيدوا في يناير عام 1950م حزب الوفد في انتخابات البرلمان من دون ترشيح أعضاء منهم، وكان هذا بعد ترشيح حسن الهضيبي المتهم بأنه مفروض على الجماعة لكون الجماعة كانت بلا مرشد من تاريخ اغتيال حسن البنا إلى تاريخ 1 أكتوبر عام 1951م، وهذا هو التحالف الثاني مع العلمانية رغم أنهم يعلنون أنهم ضدها.

التحالف الثالث: سعى الهضيبي للتحالف مع الشيوعيين والوفديين واللواء محمد نجيب في أزمة آذار (مارس) عام 1954م من أجل عودة الحكم المدني الحزبي وإطاحة الحكم العسكري للانقلاب على مجلس قيادة الثورة الذي كان بقيادة جمال عبد الناصر قبل توليه رئاسة مصر، وأدت الأزمة لانقسام المجتمع المصري في رأي بين استمرار حركة الجيش (ثورة 23 يوليو) المنحازة بقراراتها للفقراء، والاصلاح الزراعي، وبين المطالبين بالديمقراطية وعودة الحياة السياسية، فاضطر جمال عبدالناصر أن ينتقم منهم - بعد مشاحنات يطول ذكرها - بالقتل والسجن والتشريد بعد توليه الرئاسة عام 1956م، وقد بالغ في الانتقام، وظلمهم ظلماً كثيراً، وإنه وإنهم لمسؤولون عن ذلك، رغم أن الرئيس جمال عبدالناصر في زمن البنا وبعده إلى بعد انتخاب الهضيبي مرشداً للجماعة كان مع الإخوان المسلمين، وكان يزور قبر حسن البنا كل عام حتى قال جمال عبد الناصر عند قبر البنا قبل انقلابهم على قيادة مجلس الثورة، وقبل انقلابه عليهم مقولته المشهورة  في ذكرى اغتيال حسن البنا عام 1954: "إنني أذكر هذه السنين والآمال التي كنا نعمل من أجل تحقيقها، أذكرها وأرى بينكم مَن يستطيع أن يذكر معي هذا التاريخ وهذه الأيام، ويذكر في نفس الوقت الآمالَ العظام التي كنا نتوخاها ونعتبرها أحلامًا بعيدة، نعم أذكر في هذا الوقت، وفي مثل هذا المكان كيف كان حسن البنا يلتقي مع الجميع ليعمل الجميع في سبيل المبادئ ، وأُشهد الله أني أعمل- إن كنت أعمل- لتنفيذ هذه المبادئ، وأفنى فيها وأجاهد في سبيلها”.

وكانت هذه المقولة في زمن الرئيس المصري محمد نجيب الذي هدد جمالاً بالإيذاء إذا حضر ذكرى وفاة البنا، فأصر جمال عبد الناصر على حضور الذكرى مخالفاً الرئيس المصري محمد نجيب، ولذا قال المؤرخون السياسيون: إن انقلاب 23 يوليو عام 1952م بمصر بزعامة اللواء محمد نجيب وقيادة البكباشي جمال عبد الناصر على الملك فاروق، وقبله الذي كان باليمن بتاريخ 17 فبراير 1948م على الإمام يحيى بن حميد الدين كانا بمساندة الإخوان المسلمين ([1]).

وهكذا سلسلة التحالفات مستمرة حتى يومنا هذا لأجل بقاء التنظيم، فمن يرد أن يغطي أعين الحمقى والمغفلين عن الواقع يصعب عليه أن يغطي أعين العقلاء والعلماء، لماذا؟ لأن الحقيقة تفرض نفسها، ولا يدركها إلا من حرر فكره من التحزب والتغافل والتعاطف غير الشرعي.

وللأسف نجد عامة دعاة وقادة الإخوان ينفذون هذه الأصول عملياً، ويقولونها ويشجعون عليها كل شبابهم على مستوى قنواتهم، وإذاعاتهم، وإعلامهم، ووسائل التواصل الاجتماعي، وعبر مواقع الانترنت، وفي المجالس العامة والسرية، والندوات، والمهرجانات، والكتب، والمقالات، والحوارات، ولا نجد من أحدهم البراءة من هذه الأصول، ثم إني أعجب ممن يقول : إنه جلس مع بعض قادة الإخوان في بعض مجالسهم وإنهم انكروا بعض أقوال الإخوان، مستنتجاً حكماً شرعياً بأن الإخوان من عموم أهل السنة، وأن الحكم يكون على الأعيان نظراً لاختلاف عقائد أعضاء جماعة الإخوان، والجواب : أن الحكم يدور حول منهج أصول الجماعة التي هي برمتها " اتفاقاً " متفقة عندهم هل هي تتصادم مع منهج وأصول الشرع المطهر، وأصول ومنهج أهل السنة والجماعة أم لا؟ ومما لا شك فيه أن العاقل قليل الثقافة سيحكم على أن هذه الأصول الخمسة مبتدعة وتتصادم مع منهج وأصول الشرع المطهر، وأصول ومنهج أهل السنة والجماعة فضلاً عن طلبة العلم والعلماء ممن درس أصول ومنهج جماعة الاخوان وتجرد للحق بعيداً التعاطف والبيئة التي يعيش فيها.

وكل ما سبق لا يعني أن هذه الأصول وحدها هي ما خالفوا فيها منهج وأصول أهل السنة والجماعة، وإنما قصدت الاشارة لهذه الأصول الخمسة لكونها مشتهرة، ونحن نعايشها في حياتنا العملية، ونشاهدها عياناً، وإلا فالأصول التي خالفوا فيها جماعة المسلمين "أهل السنة والجماعة" أكثر من ذلك، وليس هذا الموضع موضع بسطها.

وأيضاً أقول: لا أقصد بهذا الجواب ولا بغيره إعانة أي جهة ضد الاخوان المسلمين، وإنما قصدت البيان، جواباً على بعض المشايخ الذين طلبوا مني ذكر بعض المصادر لهذه الأصول الخمسة التي تقطع بأن جماعة الاخوان المسلمين ليسوا من أهل السنة والجماعة، فهي ليست مجرد أقوال لأعيان منهم لكون القيادة العليا للجماعة في كل مكان تنفذ هذه الأصول عملياً وتتكلم بها على مستوى دولي ليلاً ونهاراً دون انكار من قادتها على قادتها ودعاتها الذين ينادون لهذه الأصول الخمسة، ثم أصل واحد منها كافي في إخراجهم من دائرة السنة، فضلاً عن خمسة أصول متفقة، فإن الحكم على المناهج والأصول قائم على النظر في أصل المخالفة، لا في حال بعض الأعيان الذين قامت أو لم تقم عليهم الحجج.

وأيضاً لا يعني هذا المقال: أن الاخوان لا خير فيهم وأنهم لم يقدموا للأمة شيئاً، ولكنه بيان أنهم أضروا بهذه الأصول، وشوهوا سمعة الإسلام والمسلمين، وجلبوا الشر على أمة محمد بالانقلابات والثورات، ومحاربة العلماء، ومحاربة الموحدين الذين يدعون إلى التوحيد الخالص، ويدعون إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة، حتى صار الإخوان المسلمين من غير شعور أداة للغرب والعدوان لضرب الاسلام والمسلمين عبر أدوات كثيرة، على مر التاريخ، في الوقت نفسه أضروا أنفسهم وعرضوها لأخطار لقتل والسجن والتشريد نظراً لجهلهم بقواعد الإسلام الصحيحة وبعدهم عن العلماء والعلم الشرعي المنضبط، وعدم فهمهم لألاعيب السياسية العصرية، ولكونهم جهة سهلة الاستغلال من الزعماء والدول على مر التاريخ منذ 90 سنة حتى اللحظة، فصار ضررهم على أنفسهم وعلى عامة الأمة.

 فعوا هذه الأصول الخمسة، وتأملوا فيها، سامحكم الله أيها المحاميين، أعني من يحامي على منهج وأصول الإخوان المسلمين وينسب نفسه للسلفية بنية حسنة أو غيرها، أما الإخوان المسلمون فهم يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، وإن حاولوا اخفاء شئ منها تقيةً وسياسة، وضحكاً على بعض الدقون.

وأختم هذا المقال لأقول لكم جميعاً: "يظل خلافنا خلافاً في دائرتنا كمسلمين دون أن نتيح للعدو وأدواته في وطننا الإسلامي من أن يستغل خلافنا ويستثمره لصالح مخططاته، ومن كان منكم يعتقد أنه سيقضي على كل الخلاف بين المسلمين فقد أخطا، ومثله من سكت عن بيان الحق، وليبق بيننا وإن اختلفنا جمع الشمل على محاربة عدو مشترك يجب دحره والقضاء عليه باعتبار أن هذا العدو "الحوثي أنموذجاً" عدو لجميع المختلفين في دائرة الدين، وعلى قادة الاخوان ومن يتعاطف معهم ممن ينسب نفسه للسلفية أن يقبلوا النصح ويفتحوا باب الحوار على ضوء الكتاب والسنة ويتقوا الله، فإن الحكم الفصل كتاب الله وسنة رسوله لا القيادة، ولا الحزب ولا التنظيم"، وأرجو أن يكون هذا المقال هو آخر ما أكتبه عن منهج وأصول الإخوان، وذلك أن هناك ما هو أهم وأولى من ذلك كتدريس طلبة العلم، والفتيا، والتأليف، واللقاءات العلمية والحوارية المفيدة، وكتابة المقالات والرسائل في الدفاع عن التوحيد والسنة وقضايا الأمة وما يحوم حولها من أخطار.

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

حرر يوم الجمعة بتاريخ 4 شعبان لعام 1439هـ، الموافق لـ 20 إبريل عام 2018م.

 


([1]) أهم المصادر لهذه التحالفات: محمد حامد أبو النصر، كتاب “حقيقة الخلاف بين الاخوان المسلمون وعبد الناصر”، خالد محيي الدين ، كتاب “و الآن أتكلم”، أحمد حمروش، كتاب “قصة ثورة يوليو مصر والعسكريون”، حسين حمودة، كتاب “أسرار حركة الضباط و الاخوان المسلمون“، مذكرات عبد اللطيف البغدادي من عام 1940م وما بعدها، صحيفة شباب الشرق الأوسط بتاريخ 21 فبراير عام2014م ، وصحيفة الحياة بتاريخ ٢٩ يونيو/ حزيران ٢٠١٧م.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام