القرآنيون لا علاقة لهم بالإسلام
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
يا طالب الحق، ويا من تخشى على نفسك من الزلل، تأمل هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن، وتشابهت فيه الأمور على كثيرٍ من الناس، وظهر فيه قوم يدّعون صلتهم بالإسلام، ويتكلمون باسم القرآن، وهم منه براء، كبراءة الذئب من دم يوسف. قومٌ زعموا أنهم "قرآنيون"، وما عرفوا من القرآن إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه، ولا سلكوا سبيل المؤمنين، ولا اهتدوا بهدي سيد المرسلين.
إنهم جماعة منكرة للسنة النبوية، نابذة لها وراء ظهورها، يقولون: حسبنا كتاب الله! وكأنهم ما سمعوا قول الله عز وجل: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.
ولا تدبروا قوله تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله.
لو كان القرآن وحده كافياً بلا حاجة إلى السنة، فلماذا بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم؟! ولماذا قال سبحانه: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم.
أليس البيان من وظائف النبوة؟ أليس الشرح والتفصيل من مهام الرسول؟ فهل من عاقلٍ يقول: إن البيان الذي نزل به النبي لا يُؤخذ به ولا يُعوّل عليه؟!
إن القرآنيين ما رفعوا راية إلا أرادوا هدم الدين من داخل حصونه، وأي حصن للإسلام أعظم من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم؟! فلما لم يستطيعوا الطعن في القرآن مباشرة، سعوا للطعن في تفسيره، وتأويله، وسنة من أنزل عليه. لكن فاتهم أن القرآن نفسه يأمرنا باتباع النبي، وأن الله قال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.
فهل الأسوة تكون في كتابٍ صامتٍ لا يشرح ولا يبين؟ أم في نبيٍّ يُجسد القرآن في حياته، ويطبقه في أقواله وأفعاله؟!
تأمل الصلاة التي تصليها، كم ركعة فيها؟ من أين عرفت أن المغرب ثلاث والعشاء أربع، وتأمل الزكاة، من الذي بيّن لك النصاب ومقاديره؟، وتأمل الحج، من علّمك مناسكه، أليست كل هذه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟
فمن أنكر السنة، فقد أنكر الصلاة والزكاة والحج، ومن أنكر ذلك، فليس من الإسلام في شيء لأن الإسلام لم يقم على مصدر واحد، بل قام على مصدرين، هما القرآن والسنة، ومن قال غير ذلك فقد كفر.
فليُعلم إذًا أن هؤلاء القرآنيين لا علاقة لهم بالإسلام، ولا نسب لهم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإن تلحفوا بلحاف القرآن، وتقمصوا بثوب الدين، وزعموا الغيرة عليه، فإنهم لا يعرفون حقيقته، ولا يعملون به، لأن القرآن نفسه يأمرهم بطاعة الرسول، وهم يأبون.
قال الإمام أحمد كما في كتاب الفقيه والمتفقّه للخطيب البغدادي (ج١/ص٢٨٩): من ردّ حديث رسول الله فهو على شفا هلكة ولا يُقبل منه دعواه الإسلام.
وقال شيخ الإسلام الشوكاني في كتابه إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول (ص69): إن ثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام، ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام.
الإسلام هو القرآن والسنة، كتابٌ من الله، وشرحٌ وإكمال من رسوله، وإجماع من سلف هذه الأمة. ومن فارق هذا النهج، فقد ضل وغوى، وإن لبس عباءة التدين، وردد آيات القرآن، فإن النفاق قد يكون بلسانٍ رطبٍ بالآيات، وقلبٍ جافٍ عن الهداية.
فاثبت يا عبد الله على الحق، وعضّ على سنة نبيك بالنواجذ، ولا تغترّ بزخرف القول من كل مارقٍ، فإنهم كما قال الله: وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء؟ ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون.
نسأل الله أن يثبتنا على الكتاب والسنة حتى نلقاه، وأن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يردّ عنا كيد الكائدين، ومكر المفسدين.
وصلّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حرر بتاريخ 13 محرم 1447 هجرية.