الأحد 16 رجب 1442 هـ || الموافق 28 فبراير 2021 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 1010

ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإنْ لم نتفق في مسألة

الحلقة رقم (43)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال يونس الصدفي([1]): ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإنْ لم نتفق في مسألة"([2]).

ما أجملها من كلمات "ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإنْ لم نتفق في مسألة".

هذا هو المنهج الشرعي الأخلاقي الذي تغافل عنه كثير من أبناء الإسلام وخصوصاً بعض المتعلمين الذي يرعون قطيعاً غفيراً من أبناء الأمة.

 إذا سألت بعضهم لِمَ لمْ تقف مع أخيك صفاً واحداً لدفع ما حل بالمسلمين في الحادثة الفلانية؟ ولِمَ لا تبادله حقوق الإخاء ولو الحقوق العامة وإن وقع الإختلاف؟
قال لك: أنا مختلفٌ معه في كيت وكيت، ولا بدَّ لي منه من موقفٍ واضحٍ حتى يتراجع عن زلته.
فإذا قلت له: ذاك شرٌ وبلوى، وخلافك معه في مسائل يصوغ فيها الخلاف، ويمكن أن يزول مثل ذلك بالحوار والنقاش العلمي.
قال لك: وإن عمت البلوى، ولن أجالسه أو أحاوره، ففيه نظر.
فإذا قلت له: وما النظر المقصود حتى نناصحه، فإما أن يُحْجِم ويتركك وشأنك، وإما يعيد مثل العمومات السابقة ونحوها بغرض التهرب من الجلوس مع من يدَّعي أنه يخالفه الرأي.

فأقول: مثل هذا الصنف لا ينفع أن يكون قدوةً حسنةً، بل لا يؤتمن عليه في تربية الأجيال إذ جعل خلاف الفروع سبيلاً لإرساء خلاف التضاد فبمجرد خلافه مع فلان من الناس أرسى مبدأ المفاصلة له ولمن أثنى عليه ولو في أمرٍ مجمعٍ على شرعيته، وإن أدى ذلك إلى الإضرار بالمجتمع كله {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} ([3]) وقال: أنا أختلف مع فلان!!.
ومتى رأيت الشخص يجعل مسائل الفروع مسائل تُفضي إلى التفرقة والقطيعة فاعلم أنه دسيسة أو جاهل أو مكابر أو أحمق وإن ربط عمامةً وذَيَّلَها.

ومما يؤسف له أن بعضهم ربما يتمسك ببعض أقوال وأفعال السلف فينزلها على أخيه الذي يتفق معه على الأصول العامة، وهي في أهل الأهواء والبدع أو يجد قولاً عن بعض السلف أخطأ فيه أو اجتهد فيه فيجعله حجةَ الله في أرضه رغم أن جماهير السلف على خلافه فيجعل ما وافق هواه في مقام الكلام المنزل الذي لا يحتاج إلى مخالف، بل ربما جعل شيخه في مقام الاحتجاج دون غيره، فإذا غضب من شيخه جعله مرمى السهام فيزيد الفتنة ويوقدها بين أبناء الأمة دون تورع أو روية، وقد يتبعه على طريقته أحداث كثيرون وهكذا تتسلسل الأحزاب والعصبيات وأساس ذلك كله التقليد العاطفي الذي لم يقم على صفاء المنهج مِمَّا أدى إلى الفرقة المفضية إلى عدم التعاون مع أبناء الإسلام في الأمور المسلمة فيها.

في الوقت نفسه يتعاون أهل الباطل والكفر والإلحاد وأهل الملل والنحل والمناهج المنحرفة على ضرب الدعوة وأبنائها ويتربصون بها الدوائر وتجتمع كلمتهم على الباطل رغم أنهم فيما بينهم لا يتفقون في شئ، ونحن معاشر الدعاة وطلبة العلم لم نقف يوماً واحداً لإرساء قاعدة الأخوة الصحيحة التي توحد كلمتنا([4]) ومن قام بذلك وجد من يخذله أو ينقده أو يحذر منه لا لشيء سوى التقليد أو الحسد أو الجهل بواقع الأمة، أو زلَّةِ قلم يمكن تصحيحها بالنصيحة، أو مسألةٍ يسع فيها الخلاف فيجعلها الناقد المتعجل من الأمور المسلَّمة الفاصلة، فليت شعري من المستفيد؟!!.

لقد كان "سلف الأمة من أصحاب القرون الثلاثة المفضلة [ومن اتبعهم بإحسان] يتسامحون في الاختلاف فيما يجوز الاختلاف فيه حفاظاً على الوحدة في الأمة"([5]) حتى تكون الأخوة الإيمانية قائمةً على مبدأ الشريعة السمحة التي توحد المتفرقين وتجمع كلمتهم تحت لواء واحدٍ، شعاره قول رب العالمين: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)} ([6]).

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
_
([1]) يونس بن عبد الأعلى عالم الديار المصرية الإمام أبو موسى الصدفي المصري الحافظ المقرىء الفقيه، مولده في آخر سنة سبعين ومائة، قرأ القرآن على ورش وغيره، سمع من سفيان بن عيينة والوليد بن مسلم وابن وهب والشافعي، حدث عنه أبو بكر بن زياد وابن أبي حاتم وأبو الطاهر المديني وخلائق، توفى في ربيع الأول سنة264هـ [تذكرة الحفاظ للذهبي (2/527)].
([2]) سِيَر أعلام النبلاء للذهبي (10/ 16)].
[(3)] سورة البقرة، الآية رقم (206).
([4]) ولا شك أن قاعدة الأخوة معلومة ظاهرة  في الكتاب والسنة، والمقصود أن تُلَخص هذه الأحكام السلوكية وفق منهج السلف لتكون سهلة المتناول، وقد تولى ذلك كثير من المؤلفين وكلٌ أدلى بدلوه حسب ما يراه مناسباً.
([5]) الأصول والثوابت وأثرها في وحدة الأمة الإسلامية للشيخ الدكتور زكريا المصري(ص40).
([6])  سورة الأنعام، الآية رقم (153).




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام