ثقافة من لا أخلاق له: حين يضيع أدب الحوار
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
لقد جاء الإسلام بمنهج متكامل يضبط علاقة الإنسان بربه وبالناس من حوله حتى في الكلمة التي يتلفظ بها، فالله تعالى يقول: (وقولوا للناس حسنا).
وقال سبحانه: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم).
فالحوار ليس صراعا لإثبات الغلبة، وإنما وسيلة للتقارب وبذل النصح لأجل الوصول إلى الحق، وكم كان القرآن العظيم يضرب أروع الأمثلة في أدب النقاش حتى مع المخالفين، قال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
ومع الأسف في زماننا هذا كثرت المنابر وتعددت الوسائل وأصبحت الكلمة تكتب وتنشر في ثوان، لكن مع سهولة التعبير ظهرت أزمة الأخلاق في الحوار.
ترى البعض يرد على مقالات علمية أو نقاشات دعوية لا بالحجة والبرهان، بل بالسباب والاستهزاء والسخرية، أو فقا لفكرهم المحدود الإلحادي أو البدعي أو الحزبي الذي وهبوه للحزب أو الشخصية التي يتحزبون لها، وكأنهم لم يتعلموا من قول النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه عند الترمذي وغيره: (ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء).
هذه الشتائم لا تظهر قوة ولا برهانا، بل تكشف عن ضعف في الحجة واضطراب في الفكر وضياع في التربية، وقد قال أحد العلماء: (ما ناظرني أحد فغلبني إلا صاحب هوى، فإنه يقطع سبيلي بالسب والشتم).
إن انحدار الحوار إلى مستوى الشتائم والاتهامات يزرع العداوة ويفتح باب الشيطان ويبعد عن الحق ويغلق القلوب عن سماع النصح.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال كما في الصحيحين: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر).
فكيف يرضى مسلم لنفسه أن يكون فاسق اللسان يؤذي الناس بلسانه، بينما النبي صلى الله عليه وسلم قال كما ثبت عنه عند الترمذي وغيره: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارين والمتشدقين فما المتفيهقون؟ قال: (المتكبرون).
الكلمة الطيبة ليست حروفا فحسب، بل عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، قال الله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء).
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الكلمة الطيبة صدقة فقال كما في الصحيحين: (والكلمة الطيبة صدقة).
فأين نحن من هذا الخلق حين نرى بعض الناس يوزعون كلماتهم كأنها سهام مسمومة تجرح النفوس وتغضب القلوب.
إن مواجهة هذه الثقافة الرديئة ليست بالمثل، فلا يجاب السفيه بسفاهته، ولا يعالج الخطأ بخطأ مثله، بل بالحكمة والصبر والإعراض عن الجاهلين، قال تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما).
والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى أبا ذر كما ثبت عنه عند الترمذي وغيره فقال: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).
فيا من ابتليت بثقافة السب واللعن، تذكر أن الكلمة التي تكتبها أو تنطق بها لا تذهب هباء، بل تسجل في صحيفتك: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).
فاختر لنفسك ما يسرك أن تلقى الله به، وازرع في لسانك أدب القرآن، واقتد بأخلاق خير الأنام، تكن من الفائزين.
والله من وراء القصد