الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 700

لماذا الحرب على المدرسة الدينية؟

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


نعيش اليوم زمنا اختلطت فيه الأصوات، واهتزت فيه المعايير، وتكاثرت فيه السهام الموجهة نحو دين الله وأهله. يتردد في أرجاء الأمة سؤال مؤلم:

لماذا كل هذا الهجوم على المدرسة الدينية؟

لماذا صار طالب العلم الشرعي مادة للسخرية، ومحل تهمة، ومطاردا في نياته وانتمائه؟

لماذا يحارب العالم المخلص الذي يعلم التوحيد والعقيدة والحديث والفقه، وكأنه خطر على المجتمع لا نور له وهداية؟!

إنها ليست حربا على أشخاص، بل هي أعظم من ذلك، إنها حرب على النبع الصافي، على الأصل، على الصدق الذي لا يشترى، على العزة التي لا تساوم، على المنهج النقي الذي لا يرتزق ولا يهادن.

المدرسة الدينية هي الحصن الأخير الذي يحمي الأمة من الذوبان، والجدار المتبقي في وجه طوفان الضلال والإلحاد والعلمنة والانحلال.

هي التي تقول للإنسان: أنت عبد لله، حر بإيمانك، عزيز بتقواك، كريم بطاعتك، وإن جاعت معدتك، وإن طاردوك، وإن ضيقوا عليك.

هم لا يخافون شيخا يعظ الناس ويعلمهم الفقه فحسب، بل يخشون أن تبعث في الأمة روح عمر، وعلم ابن تيمية، ونور محمد الفاتح، وثبات السلطان عبد الحميد، ودهاء الملك عبدالعزيز.

هم يخشون أن تقول المدرسة الدينية للناس: لا تبيع دينك بلقمة، ولا تساوم على لا إله إلا الله من أجل حفنة تراب أو لحظة شهرة.

هم يخافون أن ينتبه الناس، فيدركوا أن الحضارة ليست هي الموضة ولا الماركات، بل هي الركوع لله، وتعظيم شعائره، والصدق مع النفس ومع الله.

هل وجدتم في مناهج المدرسة الدينية دعوة لدمار؟

هل سمعتم من شيوخها تحريضا على الفتنة أو تهديدا لأمن الأوطان؟

بل وجدتم - إن أنصفتم - قياما في الأسحار، ودموعا عند آيات النار، وحرصا على الأمان، ودعاء ونصحا للسلطان، وحبا للمجتمع، وخوفا على الأمة من التيه والانزلاق.

فمن أين جئتم بكل هذا العداء؟

ومن الذي أقنعكم أن حملة القرآن والسنة خطر، وأن المتمرد على الدين هو المفكر والمصلح؟

من الذي أوحى لكم أن علماء الشريعة أعداء، وأن دعاة الانحلال هم الأمل؟

الحرب على المدرسة الدينية ليست وليدة اللحظة، بل هي خطة قديمة متجددة، يعرفها أعداء هذا الدين منذ قرون.

قال أحد المستشرقين: (لن ننتصر على المسلمين حتى نخرج من عقولهم أن دينهم يشمل السياسة والاقتصاد والحياة).

ومن هنا بدأوا: فاستهدفوا القرآن والسنة وطعنوا فيهما، وحاربوا العالم النزيه، والحلقات، والفتاوى، وأحكام الشريعة.

شوهوا صورة العلماء، حتى اختلطت المفاهيم، وأصبح الجاهل نجما، والعالم متهما، والساخر بالدين بطلا إعلامياً.

لكنهم مهما فعلوا، ستبقى المدرسة الدينية.

نعم، باقية رغم أنوفهم، لأنها لا تقوم على مال، بل على الإخلاص، ولا تنهض بالإعلانات، بل بنور القرآن،

تخرج رجالاً لا يركعون إلا لله، وتغرس في القلوب أن الأمن الحقيقي لا يكون إلا بالإيمان، وأن سلامة الأوطان مرهونة ببقاء العقيدة حية في النفوس.

إن الله وعد بحفظ هذا الدين، ولكن: هلاك أقوام كان على أيديهم، حين طمسوا نور العلم، وحاربوا ورثة الأنبياء.

فاللهم احفظ العلماء العاملين، والمدارس التي تعلم الناس الكتاب والسنة، ووفق الأمة - حكاما ومحكومين - للرجوع إلى منابعها الصافية، وألهمها رشدها، وانصر من نصر دينك، واخذل من خذله، وأظهر الأمن والسلام في جميع أوطان المسلمين.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام