العنصرية القبلية في جزيرة العرب (تقسيم الناس إلى قبيلي ومزين) جرح جاهلي لا يليق بأمة التوحيد
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
في قلب الجزيرة العربية، حيث نزل الوحي، وصدح الأذان أول مرة بالتوحيد، ما زالت بقايا من دخان الجاهلية تتسلل إلى بعض العقول والقلوب، فتفرق بين أبناء الأمة على أساس النسب أو المهنة أو اللقب، وتنسى أن ميزان الله في الخلق ليس نسبا ولا لونا ولا قبيلة، وإنما التقوى والعمل الصالح.
ومن صور هذه الجاهلية التي ما زالت تعيش بين بعض العرب: ما يعرف بالتفريق بين القبيلي والمزين.
فالقبيلي عندهم هو صاحب النسب الأصيل الممتد في جذور القبيلة الكبرى، أما المزين فيشار به إلى فئة من الناس يظن أنهم من أصل أدنى، أو أن جدهم الأول قد اشتغل بمهنة كانت تعد في العرف القبلي آنذاك وضيعة، كالحلاقة أو الجزارة أو الغناء أو الضرب على آلات اللهو، أو حتى بعض الحرف اليدوية التي كانت تحتقر لدى البعض.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن أكثر من يسمون بالمزينين هم في الأصل من بطون قبائل عربية أصيلة، غير أن حادثة ما ـ كجريمة قتل مشينة أو فعل فاحش أو امتهان مهنة محتقرة ـ جعلت القبيلة تتبرأ من جدهم الأكبر، فتُلحق به ذريته، وقد يتوسع هذا البراء حتى يشمل إخوانه وأبناءهم، فيلقبون جميعا بالمزينين. وهكذا انقلبت الأنساب بالأعراف، وتغيرت المقامات بالجهل، واستعبد الأحرار باسم القبيلة.
لقد جاء الإسلام في بيئة تتفاخر بالآباء والأنساب، وتقيم للدم واللون وزنا أعظم من الدين والعقل، فجاء الوحي نورا ربانيا على كل معاني العصبية.
قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير).
فالشعوب: مجموعات القبائل كالعرب والعجم والروم والترك، والقبائل فروع تلك الشعوب.
والغاية من اختلافهم ليست التفاخر بل التعارف والتكامل والتعاون.
وقال سبحانه أيضا: (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى)
فمن ذا الذي يزكي نسبه على غيره والله هو الذي خلق الجميع من نفس واحدة؟
لقد هدم الإسلام صرح الجاهلية، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع، وهي من أعظم وصاياه للأمة كما ثبت عند ابي نعيم وغيره: (يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى).
وثبت عند بعض اهل السنن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب).
لقد وضع الإسلام العدل مكان الهوى، والتقوى بدل العصبية، والأخوة بدل الاستعلاء.
ومن ترفع على غيره بنسبه فقد عاد إلى الجاهلية الأولى التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: (دعوها فإنها منتنة).
من المنكر أن يحرم المسلم من مكانته أو يحط من قدره بسبب مهنة أو لقب، أو لأن بعض أجداده أخطأوا في زمن مضى.
فالشرع لا يحمل أحدا وزر غيره، قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
كما أن الكرامة الحقيقية ليست في النسب، بل في الدين والخلق.
قال صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه عند الترمذي وغيره: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض).
فلم يسأل النبي عن قبيلة الخاطب، ولا عن مهنته، بل عن دينه وخلقه، لأنهما المعيار الإلهي في التقدير.
ومن أغرب ما رأيت في اليمن تقسيم الناس إلى: سيد وقبيلي وفقيه ومزين، مع أنهم جميعا قبائل.
فجعلوا :السيد من كان نسبه يعود إلى بني هاشم، أي من ذرية آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلوا الفقيه: من عرف بيته بالفقه والقضاء والصلاح كابرا عن كابر، واعتبروا القبيلي: المنتسب إلى قبيلة عربية دون شرف النسب الهاشمي، وأما المزين فهو من لا ينسب إلى قبيلة.
وتوسع بعض الجهلة، وقال: من لم يكن سيدا واصله من فارس أو تركيا أو غيرها فحاله حال المزين.
وهكذا تدرجت هذه التقسيمات حتى أصبحت أشبه بطبقات اجتماعية تباعد بين القلوب، وتفرق بين عباد الله، بل تجاوز الأمر إلى الزواج والمصاهرة والمعاملة، وكأن الإسلام لم يقل: (إنما المؤمنون إخوة).
فأي جهل هذا؟! وأي ظلم أن يرفع أحدهم رأسه بنسب أو لقب، وينسى أن الله هو الذي خلق الجميع من تراب، وأن أولياء الله في كل زمان ومكان هم التقاة الصالحون لا المنتسبون بالأسماء والألقاب.
للأسف: العنصرية القبلية لم تولد من دين ولا من عقل، وإنما من جهل وغرور وتاريخ من العصبية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد).
وهذا التواضع مأمور به للعرب والعجم، للسيد والقبيلي والفقيه والعامي والجاهل، والغني والفقير، لأن الجميع عباد الله، وكلهم سيقفون غدا بين يديه حفاة عراة لا يملك أحد لأحد شيئا.
إن من واجب القبائل اليوم أن تتوب إلى الله من هذا الظلم المتوارث، وأن تعيد الحقوق المعنوية لأصحابها، فترد المزينين إلى أصولهم، وتعترف بأنهم أبناء قبائل عربية كسائر الناس، لا ينقصهم إلا ما ينقص من ضيع التقوى.
فالإسلام لا يعرف لقب السيد والقبيلي والفقيه والمزين في ميزان التفاضل، وإنما يعرف المسلم والكافر، التقي والفاجر، قال الله تعالى: (هو سماكم المسلمين).
فما دام العبد قد شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فهو أخ لك في الدين، لا يجوز احتقاره ولا الانتقاص من كرامته.
لقد علمنا التاريخ أن من الأمم من انهارت حضاراتها بسبب التمييز الطبقي، وأن العرب ما نهضوا إلا حينما صهر الإسلام أنسابهم في بوتقة واحدة.
فبلال العبد الحبشي صار مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهيب الرومي من السابقين.
فأي شرف أعظم من هذا؟!
ولو كان النسب شرفا بلا عمل، لكان أبو لهب أولى الناس بالجنة، لكنه في النار رغم أنه عم النبي، لأن الكرامة بالتقوى لا بالنسب.
فيا أبناء اليمن، ويا أبناء الجزيرة العربية، اتقوا الله في أنفسكم وفي إخوانكم.
لا تجعلوا موازين الجاهلية تحكمكم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام.
فمن قال أنا سيد أو أنا قبيلي أو أنا فقيه واحتقر غيره، فقد جهل قدر نفسه قبل غيره، لأنه رد حكم الله بحكم الهوى.
توبوا إلى الله من هذه العصبية، وردوا المظالم المعنوية إلى أهلها، وأحيوا روح الأخوة كما أحياها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأوس والخزرج والمهاجرين والأنصار.
(إنما المؤمنون إخوة).
هذه الأخوة هي التي تبني الأوطان، وتحيي الضمائر، وتمحو آثار الجاهلية التي ما زالت تلطخ بعض العقول.
فمن أراد العز فليطلبه عند الله لا عند القبيلة، ومن أراد الشرف فليقِم دينه لا نسبه.
ولا يعني ما سبق أن يتنازل العرب عن انسابهم، وإنما المقصود: لا تطعنوا في الأنساب، ولا تفقدوا أحدا نسبه بأي جرم أو مهنة، ولا تمضوا ظلما امضاه أجدادكم.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.