حينما يعاديك من لا يعرفك
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
من المؤسف أن ترى صنفا من الناس يعاديك لا لأنه عرفك عن قرب، ولا لأنه جالسك أو سمع منك مباشرة، بل لأنك خالفت أو اختلفت مع شيخه أو حزبه أو تياره، في مسألة مستساغة الخلاف أو الحق فيها معك، أو لأن أذنه استقبلت شائعة عنك، فبنى على ذلك بغضا وعداوة، دون أن يتثبت ويقيم العدل والميزان الشرعي.
وهذا الصنف هو امتداد لمرض قديم حذرنا الله تعالى منه في كتابه حين قال: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبا، فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
كثير من الناس لا يتثبتون، ولا يتورعون عن إطلاق الأحكام، وكأن حسنات الآخرين وسيئاتهم رهينة بما يقوله شيخهم أو حزبهم أو تيارهم، لا بما يقوله الكتاب والسنة.
قد يكون العدو شخصا لم يجلس معك قط، ولم يقرأ كلامك، ولم يعرف نيتك، لكن مجرد أن علم أنك خالفت شيخه أو حزبه أو تياره، صب عليك أوصافا لا تليق، وجعل خصومتك دينا، وكأن الولاء والبراء صار في الأشخاص لا في دين الله.
فالذي يتقلب في الولاءات والعداوات بحسب مشايخه أو حزبه، لم يعرف بعد حقيقة الإخلاص لله، إذ المعيار في الحب والبغض يجب أن يكون الحق لا الأشخاص.
ينبغي أن نعلم أن هذه العداوات ليست إلا ابتلاء من الله لعباده.
قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا).
فما دام للأنبياء أعداء، فمن باب أولى أن يكون لطلاب العلم والدعاة أعداء، لكن الواجب أن يكون ردنا على البغضاء بالعدل والإحسان، لا بالانتقام والتشفي، قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).
طالب الحق لا يركن إلى التقليد الأعمى، ولا يجعل قوله أو حكمه مرهونا بفلان أو علان، بل يقف حيث وقف الدليل.
وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: (اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة) أخرجه أبو خيثمة في كتاب العلم بإسناد صحيح.
فلا ولاء إلا للحق، ولا عداوة إلا على ضلال بين.
أما أن تكون الخصومات مبنية على ظلم وهوى وتعصب أعمى، فهذه عصبية جاهلية قد ذمها النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين حين قال: (دعوها فإنها منتنة).
نعم نختلف مع بعضنا البعض لكن يلزمنا إقامة ميزان العدل، فمن وقع في الخطأ قلنا مخطئ، ومن وقع في البدعة أقمنا عليه الحجة وأزلنا عنه الشبهة، فإن أصر قلنا فلان مبتدع، وقلنا لأصحاب الأفكار الهدامة أنتم منحرفون، وللمبتدعة أنتم مبتدعة، نقولها ونحن أهل لذلك على ورع، مراقبين الله في كل ما نقوله، موقنين أن الله يوم القيامة سيسألنا إن لم نعدل، وإنه سيقتص منا إذا ظلمنا، قال الله تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤولون) فالعدل العدل يا عباد الله.
ولذلك أقول إذا عوديت ظلما فيلزمك أمور:
أولا: استحضر أن الله مطلع على نيتك، وأن رضا الناس غاية لا تدرك، ورضا الله غاية لا تترك.
ثانيا: الزم خلق الحلم، وادفع السيئة بالحسنة، كما قال تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن).
ثالثا: لا تنشغل بالخصومة عن رسالتك الشرعية، فالأعداء كثير، والعمر قصير.
رابعا: أكثر من الدعاء: (اللهم اكفنيهم بما شئت، واهدهم لما تحب وترضى).
والحاصل: أن عداوة من لا يعرفك امتحان لإخلاصك، فإياك أن تقع في الداء نفسه فتعادي أو توالي بغير علم.
اجعل الحق دليلك، والعدل رفيقك، والقرآن والسنة نورك.
واعلم أن الله عز وجل وعد أهل الصبر والثبات بقوله: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).
فكن من هؤلاء، تكن رابحا وإن خذلك الناس، ومفلحا وإن عاداك من عاداك.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.